Intox

"عصابات المهاجرين" وراء أعمال العنف في برلين ليلة رأس السنة؟ انتبه لهذه المقاطع المضللة

من بين مئات مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر احتفالات ليلة راس السنة في ألمانيا، زعم اثنان على الأقل أن أعمال العنف نفذتها "عصابات مهاجرين".
من بين مئات مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر احتفالات ليلة راس السنة في ألمانيا، زعم اثنان على الأقل أن أعمال العنف نفذتها "عصابات مهاجرين". © مراقبون

بينما وعدت ألمانيا بمحاسبة جميع المسؤولين عن أعمال العنف التي شهدتها ليلة 31 كانون الأول/ديسمبر 2022 وخلفت أكثر من 100 جريح بين عناصر الشرطة ورجال الإطفاء، تبث عشرات الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة قديمة لترويج خطابٍ معاد للأجانب، حيث تقول هذه الحسابات إن "عصابات مهاجرين مسلمين" مسؤولة عن هذا الشغب.

إعلان

عملية التحقق في سطور 

  • نشرت حسابات عدة مقطعاً مصوراً، تم تداوله بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، لما أسمته "عصابات من المهاجرين المسلمين المسلحين"، متهمةً إياهم بالضلوع في أعمال العنف التي وقعت ليلة رأس السنة في برلين.
  • أظهر مقطع مصور آخر أن "مهاجرين" هاجموا بألعاب نارية ومقذوفات، ذات الليلة، المسعفين وهم على رأس عملهم داخل سيارة إسعاف. 
  • وتؤكد عملية البحث العكسية للصور أن هذين المقطعين ليسا حديثين ويتم الترويج لهما من خلال حسابات معادية للأجانب بهدف تحميل المسؤولية للمهاجرين.

عملية التحقق بالتفصيل

منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2023، اتهمت عشرات المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي "عصابات المهاجرين" بالوقوف وراء الفوضى التي تخللت ليلة رأس السنة في العاصمة الألمانية برلين. وأدت أعمال العنف إلى إصابة أكثر من 100 من رجال الشرطة والإطفاء، فيما وعدت وزيرة الداخلية الفيدرالية بتغريدة على تويتر في 2 كانون الثاني/يناير ببذل كل ما في وسعها لمعاقبة مرتكبي أعمال العنف.

وادعى كثيرون أن مقطعاً مصوراً -تمت مشاركته ما لا يقل عن 1000 مرة منذ 2 كانون الثاني/يناير 2023 وحصد أكثر من 65000 مشاهدة- أنه يظهر "مهاجرين مسلحين بمسدسات" في شارع Hermannstraße، الواقع في حي Neukölln في برلين الذي تقطنه جاليات مهاجرة. ويظهر المقطع مجموعة من الأفراد وهم يطلقون بحماسةٍ النار في الهواء، مستخدمين ما يشبه المسدسات. كما نراهم يفجرون خراطيش الألعاب النارية في وسط الشارع.

لقطة شاشة لمنشور على تويتر بتاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2023 يزعم فيها ديفيد أثيرتون، وهو صحفي يعمل في وسيلة إعلامية محافظة (The European Conservative)، أن المهاجرين أطلقوا مسدساتهم على هامش احتفالات ليلة رأس السنة الجديدة.
لقطة شاشة لمنشور على تويتر بتاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2023 يزعم فيها ديفيد أثيرتون، وهو صحفي يعمل في وسيلة إعلامية محافظة (The European Conservative)، أن المهاجرين أطلقوا مسدساتهم على هامش احتفالات ليلة رأس السنة الجديدة. © مراقبون
لقطة شاشة لمنشور على موقع تويتر بتاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2023 جاء فيه أنه "كل عام، يجرؤ عدد أقل من المواطنين المحليين على الخروج للاحتفال بالعام الجديد لأن المهاجرين المتوحشين ينهبون شوارع الجميع ويهاجمون ويشعلون النيران".
لقطة شاشة لمنشور على موقع تويتر بتاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2023 جاء فيه أنه "كل عام، يجرؤ عدد أقل من المواطنين المحليين على الخروج للاحتفال بالعام الجديد لأن المهاجرين المتوحشين ينهبون شوارع الجميع ويهاجمون ويشعلون النيران". © مراقبون

على عكس ما تدعيه هذه الروايات، لا يُظهر هذا الفيديو أعمال عنف ارتكبها مهاجرون في ليلة رأس السنة، حيثُ نتجَ البحث العكسي عن الصور عن العثور على ذات المقطع المصور، منشورٍ بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2023 على الموقع البولندي “demotywatory .pl”.  

لقطة شاشة لموقع بولندي حيث نجد ذات المقطع المصور. حيث نُشر بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2023، وهو أقدم تاريخ نشرٍ لهذا المقطع على الانترنت تمكننا من إيجاده.
لقطة شاشة لموقع بولندي حيث نجد ذات المقطع المصور. حيث نُشر بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2023، وهو أقدم تاريخ نشرٍ لهذا المقطع على الانترنت تمكننا من إيجاده. © مراقبون

"لا أسلحة حقيقة ولا ذخيرة حية، وإنما هي أسلحة فارغة مزودة بقاذفات للألعاب النارية"

وبعد تحديد العلامات المميزة الظاهرة في الفيديو، المرئية والصوتية، وكذلك العناصر الحضرية، تمكنا عبر خاصية التجوّل الافتراضي (Street View) من خرائط غوغل Google Maps من تحديد الموقع الجغرافي الدقيق حيث تم تصوير الفيديو، وهو في Hermannstraße. من بين هذه العلامات، لوحة يظهر عليها الحرف U (باللون البرتقالي) والذي يتوافق مع محطات المترو (U-Bahn) في برلين، وقالب خشبي مربع حيث زرعت إحدى الأشجار (باللون الأخضر) أو لافتة طرقية (باللون الأحمر).

باللون البرتقالي، تشير لافتة تعرض الحرف U (سمي على اسم منظمة النقل العام في برلين U-Bahn Berlin) إلى أن الفيديو تم تصويره بالقرب من محطة مترو فى برلين، ألمانيا. باللون الأخضر، قالب خشبي مربع وجذع شجرة. باللون الأحمر، نرى لافتة تشير إلى اسم الشارع.
باللون البرتقالي، تشير لافتة تعرض الحرف U (سمي على اسم منظمة النقل العام في برلين U-Bahn Berlin) إلى أن الفيديو تم تصويره بالقرب من محطة مترو فى برلين، ألمانيا. باللون الأخضر، قالب خشبي مربع وجذع شجرة. باللون الأحمر، نرى لافتة تشير إلى اسم الشارع. © مراقبون
باستخدام أداة التجوّل الافتراضي خرائط Google، تمكننا من العثور على نفس العلامات المميزة الظاهر في المقطع المصور، حيث صور المقطع عند إحدى تقاطعات شارع Hermannstraße في حي Neukölln في برلين.
باستخدام أداة التجوّل الافتراضي خرائط Google، تمكننا من العثور على نفس العلامات المميزة الظاهر في المقطع المصور، حيث صور المقطع عند إحدى تقاطعات شارع Hermannstraße في حي Neukölln في برلين. © مراقبون

و شرحَ خبيرٌ باليستي لفريق تحرير مراقبون أن المسدسات الظاهرة في الفيديو هي مسدسات ألعاب نارية، وأن أي منها ليس سلاح ذو ذخيرة حية.

لا نرى أي أسلحة أو ذخيرة حية. الأسلحة التي نراها هي أسلحة فارغة مزودة بقاذفات. الباقي هو عبارة عن ألعاب نارية من نوع الشموع الرومانية أو أخرى من النوع المضغوط وألعاب نارية صاروخية محملة على عيدان بالإضافة إلى تأثيرات نارية متفجرة ومضيئة. 

ويوضح خبير آخر أن "هذه الأسلحة هي نسخ طبق الأصل من أسلحة حقيقية وتشبه إلى حد كبير الأسلحة من نوع .38 أو 9 ملم بارابيلوم أو .45 من عيار ACP حيث بإمكانها أن تطلق مقذوفات حقيقية. إنها مجهزة بأداة بلندربوس التي نراها في المقطع والتي تُستخدم لإطلاق كرة مطاطية أو مضيئة. يُسمح عمومًا بالحيازة على مثل هذه الأسلحة بهدف الدفاع عن النفس. ولكن إذا كان الحيازة مسموحة بالنسبة للبالغين، فإنه يُحظهر حمل هذه الأسلحة ووضعها في حالة جاهزة للاستخدام هنا في فرنسا، وربما أيضًا في دول أوروبية أخرى، وذلك نظرًا لمظهرها، فيمكن الخلط بينها وبين أسلحة حقيقية مزودة بذخيرة حية مع مقذوفات".

ولفهم سياق الفيديو بشكل أفضل، اتصلنا بجاك بيزيت، وهو صحفي يعمل مع إحدى وسائل الإعلام الاستقصائية الألمانية Correctiv، وهو نفسه مقيم سابق في الحي الذي صور فيه الفيديو.

"الاحتفال بالعام الجديد حدث مهم في ألمانيا. يحب الألمان عموماً، بمن فيهم الأشخاص ذوو الأصول المهاجرة، الألعاب النارية. وتميزت احتفالات هذا العام على وجه الخصوص بالجنون، حيث تم حظر الألعاب النارية خلال العامين الماضيين من أجل الحد من التجمعات على خلفية جائحة فيروس كورونا. وعلى العكس، فإنه سُمح هذا العام للمحلات التجارية ببيع الألعاب النارية، بما في ذلك بنادق الألعاب النارية قبل أيام قليلة من حلول العام الجديد. وعلى الرغم من أن Neukölln هو حي يسكنه في الغالب عدد كبير من السكان ذوي الأصول المهاجرة، فلا يحتوي الفيديو على أي إثبات من شأنه أن يؤكد أن هؤلاء الأفراد هم من المهاجرين".

فيديو مختلف، نفس الادعاءات المضللة

ويظهر مقطع فيديو آخر أن مجموعة من المهاجرين استهدفت بالقذائف والألعاب النارية، مسعفين وهم على رأس عملهم بداخل سيارة الإسعاف.

لقطة شاشة لمنشور على تويتر في 3 كانون الثاني/يناير 2023 يُزعم فيه أن "المسعفين في برلين يتعرضون للهجوم بالألعاب النارية من قبل المهاجرين عشية رأس السنة الجديدة".
لقطة شاشة لمنشور على تويتر في 3 كانون الثاني/يناير 2023 يُزعم فيه أن "المسعفين في برلين يتعرضون للهجوم بالألعاب النارية من قبل المهاجرين عشية رأس السنة الجديدة". © مراقبون

ونتج البحث العكسي للصور على نسخة قديمة من الفيديو مؤرخة في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وتم نشرها على قناة اليوتوب التابعة لموقع هونغ كونغ برس، وهو موقع إخباري مستقل. ويظهر المقطع في الحقيقة متظاهرين في هونغ كونغ، خلال الاحتجاجات التي اندلعت عام 2019 ضد مقترح قانون من شأنه تسهيل عمليات تسليم المطلوبين للصين. ونرى متظاهرين يهاجمون ضابط شرطة كان احتمى داخل سيارة إسعاف.

لقطة شاشة من مقطع فيديو نُشر في عام 2019 على قناة اليوتوب الخاصة بـ Hong Kong Press، وهو موقع إخباري في هونغ كونغ غطى على نطاق واسع الحركة الشعبية في 2019-2020. © مراقبون
لقطة شاشة من مقطع فيديو نُشر في عام 2019 على قناة اليوتوب الخاصة بـ Hong Kong Press، وهو موقع إخباري في هونغ كونغ غطى على نطاق واسع الحركة الشعبية في 2019-2020. © مراقبون © مراقبون
لقطة شاشة من منشور على تويتر يتضمن نفس الفيديو نشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. ويظهر متظاهري هونغ كونغ وهم يلقون مقذوفات على ضابط شرطة داخل سيارة.
لقطة شاشة من منشور على تويتر يتضمن نفس الفيديو نشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. ويظهر متظاهري هونغ كونغ وهم يلقون مقذوفات على ضابط شرطة داخل سيارة. © مراقبون

وأعلنت الشرطة الألمانية أنها ألقت القبض على 145 شخصًا، من 18 جنسية مختلفة، على صلة بأحداث ليلة رأس السنة. الألمان هم الأكثر تمثيلاً بـ 45 فردًا، يليهم الأفغان (27) ثم السوريون (21).