كوريا الجنوبية: الذكوريون يشنون حربا عنيفة على الحركات النسوية

على اليسار، الناشط على يوتيوب المعادي للنسوية "وانغ جا" الذي تنكر في هيئة "الجوكر" يصرخ وهو يحمل مسدسا مائيا في يده "سمعت أن هناك نسويات ساقطات في المكان". على اليمين، كيم جو هي، قائدة الجمعية النسوية "هاي إيل" تواسي إحدى عناصر مجموعتها. صورة مراقبون.
على اليسار، الناشط على يوتيوب المعادي للنسوية "وانغ جا" الذي تنكر في هيئة "الجوكر" يصرخ وهو يحمل مسدسا مائيا في يده "سمعت أن هناك نسويات ساقطات في المكان". على اليمين، كيم جو هي، قائدة الجمعية النسوية "هاي إيل" تواسي إحدى عناصر مجموعتها. صورة مراقبون. © Les Observateurs de France 24

يعرض مجرد الانتماء للحركات النسوية السيدات في كوريا الجنوبية للتحرش المستمر من قبل مجموعات من المناهضين لها سواء كان ذلك عبر الإنترنت أو في الفضاء العام. وخلال صيف 2021، تعرضت ناشطات مجموعة "هاي إيل" لموجة من السخرية والتحريض على الكراهية. وهو ما يؤكد حدة الاحتقان المتصاعد بين اتجاهين خصوصا وسط الشباب في المجتمع الكوري الجنوبي.

إعلان

"انظرن إلي، أنتن أيتها النسويات النازيات، هيا اهربن مني وهكذا ستمارسن شيئا من الرياضة"، هذا ما صاح به رجل تنكر في هيئة "الجوكر"، العدو الشهير لباتمان الذي يقوم بملاحقة مجموعة صغيرة من الناشطات النسويات الكوريات الجنوبيات مطلقا عليهن الرذاذ من مسدسه المائي. وشعرت الناشطات بالخوف فيما بدا هو مستمتعا. وفي غضون ذلك، يلتفت الرجل إلى الكاميرا التي يصور بها الفيديو الذي بُث مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي ويظهر مئات الأشخاص يساندون صنيعه وراء هواتفهم الذكية.

حدث هذا في 22 آب/ أغسطس الماضي، في شوارع مدينة داي جيون، في وسط كوريا الجنوبية. ويدعى هذا الرجل باي إينغ غيو ويعرف باسم "وانغ جا" (الأمير باللغة الكورية) وهو الناشط على يوتيوب والشخصية الرئيسية في جماعة "الجيل الذكوري الجديد" التي أطلقت حربا على النسويات، معتبرة أنهن يمثلن تهديدا لحقوق الرجال ويتبنين خطابا عدائيا ضدهم.

وفي خضم تزايد انتشار الأفكار النسوية خلال السنوات الأخيرة في هذا البلد المحافظ، تضاعفت المبادرات للدفاع عن "حقوق الرجال". ومن بين هذا المبادرات، نجد مجموعة "دانغ دانغ وي" التي تأسست في 2018 والتي تتبنى الدفاع عن الرجال المتهمين ظلما -بحسب وجهة نظرهم- بالتحرش الجنسي أو "الانتماء إلى تنظيم معاد للنسوية'' والذي يتظاهر بشكل دوري ضد وزارة النوع الاجتماعي "الجندر" (التي تتولى السهر على المساواة بين الرجال والنساء في كوريا الجنوبية). ويدعم عدد كبير من النواب الكوريين هذه الجماعات بشكل علني.

وتعتبر الحركة النسوية، التي كثيرا ما يتم خلطها بمعاداة الرجال في كوريا الجنوبية، العدو المعلن من قبل هذا المجموعات "الذكورية". وهو ما يجعلهم يحاربونها بالسخرية وبرسائل التهديد مجهولة المصدر على الإنترنت والتجمعات "المعادية للنسوية" وفي بعض الأحيان بالتحرش اللفظي أو الجنسي.

وتم تأسيس جمعية "هاي إيل" النسوية (تسونامي بالكورية) في يونيو/ حزيران 2021 بهدف مكافحة ظاهرة معاداة النسوية التي تتصاعد في البلاد. وهو ما جعل هذه الجمعية هدفا مثاليا لهذه الجماعات الذكورية ومنها فريق "وانغ جا" بالخصوص الذي شن هجوما عليها طيلة فصل الصيف. ونفذت هذه المجموعات هجوما على كل الجبهات على ناشطاتها سواء كان ذلك في الفضاء العام أو على الإنترنت.

نرى في هذا المقطع المصور الذي نشرته جمعية "هاي إيل" على تويتر قائد هذه المجموعة مسلحا بمسدس مائي ومحاطا بفريق تصوير كان يبث ما يقوم به "القوة الذكورية الجديدة" مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي ونسمعه وهو يقول: ''إذا، هل وصلكم الماء؟ هل أنتن غاضبات (...)، سحقا، يوجد الكثير من الحشرات هنا، يوجد منها الكثير، نعم، سأتولى قتل كل الحشرات، إنهن حشرات، أليس كذلك؟" (فريق التحرير: تستخدم بعض الناشطات النسويات عبارة "حشرة" لوصف معادي النسوية)

"سمعت أن هناك نسويات هنا، سأقتلهن جميعا"، صرخ في هذا الفيديو الآخر، بجوار مسيرة "هاي إيل" مباشرة.
.
. © Observers

 

وفي اتصال مع فريق تحرير مراقبون فرانس24، تحدثت كيم جو هي مؤسسة جمعية "هاي إيل" قائلة:

إنها المرة الأولى التي يقتربون فيها منا إلى هذا الحد، إلى مسافة يمكن لهم ضربنا فيها إذا ما أرادوا ذلك. لقد بدأوا بملاحقتنا متفوهين بالشتائم ولكن أكثر ما يخيفنا بالفعل هو أننا لم نكن نعلم أن ذلك المسدس كان مائيا: ففي كوريا الجنوبية، حدثت عدة هجمات بالأسيد وفي بعض الحالات "إرهاب السائل المنوي" ضد السيدات (فريق التحرير: أي إلقاء أو إجبار السيدات على ابتلاع السائل المنوي رغما عنهن، اطلعوا على هذا المقال لموقع "فيس" لمعرفة المزيد)

 

في هذه الصورة، مؤسسة "هاي إيل" تدعم إحدى أعضاء جمعيتها. وبحسب المجموعة النسوية، لا تزال الشابة تعاني من القلق وتتناول الأدوية منذ ذلك الحين.
في هذه الصورة، مؤسسة "هاي إيل" تدعم إحدى أعضاء جمعيتها. وبحسب المجموعة النسوية، لا تزال الشابة تعاني من القلق وتتناول الأدوية منذ ذلك الحين. © Haehil

 

على هذه الصورة، نرى مؤسسة جمعية "هاي إيل" جو هي تقوم بمواساة إحدى عضوات جمعيتها. فحسب المجموعة النسوية، تعاني هذه المرأة الشابة من الرهاب وتتعاطى عدة أدوية منذ الحادث. صورة هاي إيل.

أسوأ ما في الأمر أن لا أحد قام بإيقافهم عند حدهم. لا من المارة الذي قاموا بتشجيعهم أو من رجال الشرطة. حتى أن المجموعة الذكورية تمكنت من مواصلة تصوير الفيديو وبثه مباشرة دون أي قلق. في ذلك اليوم، وبالإضافة إلى حالة الخوف التي عمت صديقاتي، قلت لنفسي ألا أحد يتولى حمايتنا، لقد كنا لوحدنا."

 

فيديو ترجمته "هاي إيل" من قناة اليوتيوب لـ "القوة الذكورية الجديدة".
Busan
Busan © Les Observateurs de France 24

 

تم تصوير هذا الفيديو الآخر خلال المسيرة الأولى لجمعية "هاي إيل" في 30 حزيران/ يونيو الماضي في مدينة بوسان جنوب كوريا. ونرى الناشط المناهض للنسوية على يوتيوب وقد وضع على رأسه شعرا طويلا مستعارا أشقرا ويرتدي ثياب امرأة. ومن فوق سقف عربة، يقوم بالسخرية من النسويات اللاتي كن يتظاهرن من أجل حق الإجهاض على بعد بضع أمتار منهن حيث قال "أنا ضحية لأنني امرأة" فيما قالت امرأة كانت إلى جابنه "لقد ذهبت لرؤية النسويات، لقد شعرت بالرعب لأنهن كن أشبه بالدببة"، فيما يرد عليها "وانغ جا" قائلا "يبدو أنه يتوجب علي أن أشتري لك مسدسا مهدئا".

ويرتدي "وانغ جا" في كثير من الأحيان لباسا نسائيا عندما يتوجه إلى التجمعات النسوية. وهي طريقة يستخدمها الناشط الذكوري للسخرية من مظهرهن الجسماني حسب ما صرحت به العضو في جمعية "هاي إيل" هاين شيم، في تصريح لفريق تحرير مراقبون فرانس24:

كان لدينا كلنا (الناشطات النسويات) شعر قصير جدا لأننا نريد مكافحة النظرة التلقيدية للجمال في كوريا الجنوبية. ولا يبدو أن هذا الأمر كان محل إعجابهم. وكرد فعل، قاموا بالتنكر في هيئة نساء وصرخوا في وجوهنا: "هذا هو الشكل الذي يجب أن تكن عليه، أنتن لستن نساء حقيقات."

في تلك الأثناء، أصبح خطاب "معاداة النسوية" رائجا على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد حصدت "القوة الذكورية الجديدة" من خلال فيديو "الجوكر" لوحده أكثر ما يعادل مليوني وونس (1460 يورو) من خلال التبرعات لقناة على منصة الفيديوهات الكورية "أفريكا تي في". إنها نوع من العائدات التي تطلق عليها جمعية "هاي إيل" "هارتد كوين" (عملة الكراهية) في إشارة إلى عملة بيتكوين الافتراضية. وتقول إحدى الناشطات في الجمعية "تهديد النسويات يدر الأموال وهم يعون ذلك جيدا".

وتحظى قناة الجماعة الذكورية على يوتيوب بنحو 366 ألف متابع ويحظى كل فيديو تنشره بمئات الآلاف من المشاهدات. ولكن منذ حلقة الجوكر، تعرض الحساب إلى حملة تنبيه واسعة ما جعل يوتيوب يقوم بحذفها منذ 5 أيلول/ سبتمبر.

وهو ما جعل "القوة الذكورية الجديدة" تخسر منصتها الرئيسية ولكنها تستمر في النشاط على فيس بوك وإنستاغرام ووسائل اجتماعية أخرى يقومون من خلال بشتم النسويات علنا.

 

 

من جانبهن، أصبحت الناشطات النسويات في كوريا الجنوبية يظهرن متخفيات على الإنترنت حيث كثيرا ما يلتجئن إلى لبس أقنعة على غرار هذه الصورة خلال تجمع. كما تم إخفاء أعينهن.

"في كل مظاهرة، يتوجب علينا جميعا تغطية أجسادنا ووجوهنا"

توضح هاي إين شيم المخاطر التي من الممكن أن يتعرضن لها في حال كشف هوياتهن في بلد تنتشر فيه حملات التشويه على الفضاء الافتراضي.

في كل مظاهرة، يتوجب علينا جميعا تغطية أجسادنا ووجوهنا لأن أحد أشكال الجرائم الإلكترونية الأكثر انتشارا هو جمع المعلومات الشخصية حول النساء بما فيها الصور وحفظها في الأرشيف لنشرها فيما بعد على الإنترنت في حال تحديدهم لهوية ناشطة نسوية.

"يقومون بكل شيء لمنع الكوريات من إظهار انتمائهن للحركة النسوية" من تهديدات وتحرش إلكتروني ضد النسويات وأقاربهن...

ولفهم كيف يمكن لعبارة "نسوية" أن تحمل منحى سلبيا وإلى أي حد، يكفي إلقاء نظرة على استشراء خطاب الكراهية على الإنترنت ضد آن سان، الحاصلة على ثلاث ميداليات ذهبية في الرمي بالقوس خلال الألعاب الأولمبية هذا الصيف، التي تم تصنيفها على أنها نسوية بسبب شعرها القصير. حتى أن البعض طالب بأن تُسحب منها الميداليات الذهبية الثلاث.

وداخل جمعية "هاي إيل" تعتبر مؤسستها جو هي وهي أيضا عضوة في حزب سياسي نسوي، الوحيدة التي تتكلم بوجه مكشوف.

 

 

 

اجتماع للحركة النسوية في كوريا الجنوبية في نيسان/ أبريل 2020.

هذا الوجه المكشوف كلف جو هي أن تكون هدفا رئيسيا للمجموعة المناهضة للنسوية: حيث يقومون بنشر وجهها على وسائل التواصل الاجتماعي ويرفعونه خلال المظاهرات ويجلعون منها صورة الخلفية في هواتفهم بالإضافة إلى تركيب صورها، وكذلك الشتائم. "لا تريدون معرفة ما الذي يقومون به بصورة وجهها الآن" تقول هاي إين شيم.

وحسب إين شيم، حتى وإن قدمت جو هي شكوى، فإن أولئك الذين يتحرشون بها سيتجاوزون الأمر بسهولة نسبية. فبالرغم من أن القانون الكوري ينص بوضوح على معاقبة التحرش الإلكتروني، لكن وقائع الأمور تثبت أن أحكاما قليلة جدا صدرت في هذا الشأن بسبب التخفي وراء أسماء وهمية على الإنترنت. وحسب المختصين في الموضوع، فإن الشرطة الكورية لا تعتبر التحرش على الإنترنت عموما جريمة كبيرة أو أنه كاف لفتح تحقيق فيه.

لكن جمعية "هاي إيل" تنوي القيام بإجراءات قضائية.

ورغم الاتصال بها، لم تقم مجموعة "التضامن الذكوري الجديد" بالرد على أسئلتنا. ولكن بالإمكان التعرف على وجهة نظهر "وانغ جا" في حوار مع موقع "سي أن أي" نشر في 22 آب/ أغسطس الماضي (يبدأ الحوار في الدقيقة 29 من الفيديو وقد أجري بعد التحرك الذي أطلق عليه "الجوكر"). وينفي وانغ جا فكرة أنه "يرهب" النساء ويوضح أن مقاطعه المصورة تهدف إلى إظهار إلى أي مدى تبدو مطالب الناشطات النسوية سخيفة. "يمكن أن أؤكد لكم أن 99 بالمائة من الرجال متفقون معي، الأمر يتعلق فقط بأنهم لا يجرؤون على قول ما يعتقدونه بصوت عال، عكس الناشطات النسويات المتطرفات."

"الرجال الشبان يشعرون بالخجل من المناخ الاجتماعي الذي أصبح أكثر قابلية للأفكار النسوية"

حتى إن بقيت هذه المجموعات أقلية، فإن النظرة إلى الحركة النسوية مازالت سلبية في البلاد. وحسب الباحثة أيوسول جي يونغ، مؤلفة أطروحة دكتوراة بشأن الحركة النسوية في كوريا الجنوبية (في جامعة يورك شاير الأمريكية) فإن الموضوع محل انقسام خصوصا لدى الشباب:

انقسم جيل الشباب بين من يدعم الحركة النسوية ومن يدعو إلى معاداة النسوية وذلك لأن الرجال الشبان (بشكل عام) يرغبون في استعادة النظام الأبوي/ الجنساني فيما ترغب السيدات الشابات (بشكل عام) في تحدي النظرة الجنسانية والميزوجينية في المجتمع الكوري".

وحسب استطلاع آراء في كوريا الجنوبية، فإن شبان البلاد من الرجال في سن العشرين متفقين قليلا أو كثيرا مع فكرة أن "الحركة النسوية تريد هيمنة المرأة" فيما لا يتفق أكثر من ستين بالمائة منهم مع فكرة أن "النسوية تهدف إلى المساواة بين الجنسين".

"إنهم يعتقدون أننا نمثل تهديدا للتقاليد"

ويختلط الحابل بالنابل في ظل انتشار الفكر القومي الذي لا يتوانى في استغلال معاداة النسوية، وفق رؤية مؤسسة جمعية "هاي إيل" كيم جو هي التي تقول:

يعتقدون أنهم بصدد خوض حرب ضدنا باعتبارنا نمثل تهديدا للتقاليد. حتى أن البعض منهم يدعي أننا جاسوسات من كوريا الشمالية جئنا لنشر الأفكار الاشتراكية الخطيرة وأن محاربتنا هي بمثابة الدفاع عن كوريا الجنوبية."

ويقدم رئيس البلاد الحالي الحداثي مون جاي إي نفسه على أنه "قائد نسوي" وقد عرفت فترة حكمة ولادة منظمة "مي تو" (أنا أيضا) في كوريا. ولكن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 2022، لا يتردد المرشحون القوميون في استغلال المساندة التي تلقاها "معاداة النسوية" لكسب مزيد من الأصوات. حيث صرح المحافظ ها تاي كونغ، أحد أبرز وجوه المعارضة، بأنه يريد إلغاء وزارة الجندر الاجتماعي التي تسعى لتطبيق المساواة بين الجنسين في كوريا الجنوبية. ويرى كونغ أن هذه الوزارة "تجاوزها الزمن".