تحقيق

تونس: تحقيق حول فيديوهات توثق أعمال عنف بوليسية ضد المتظاهرين

الصورتان الموجودتان بدءا من اليسار هما صورتا شاشة من مقطع فيديو يتم تداوله على فيس بوك منذ يوم الأحد 17 كانون الثاني/يناير ويظهر أحد أفراد قوات الأمن يطلق شيئا ما من مسدس على شخص متواجد في شرفة شقته في مدينة صفاقس. وصورة الشاشة الثالثة من مقطع فيديو نشر على فيس بوك منذ 17 كانون الثاني/يناير، ويظهر عملية اعتقال عنيفة في مدينة الحمامات.
الصورتان الموجودتان بدءا من اليسار هما صورتا شاشة من مقطع فيديو يتم تداوله على فيس بوك منذ يوم الأحد 17 كانون الثاني/يناير ويظهر أحد أفراد قوات الأمن يطلق شيئا ما من مسدس على شخص متواجد في شرفة شقته في مدينة صفاقس. وصورة الشاشة الثالثة من مقطع فيديو نشر على فيس بوك منذ 17 كانون الثاني/يناير، ويظهر عملية اعتقال عنيفة في مدينة الحمامات. © وسائل التواصل الاجتماعي

في الوقت الذي تستمر فيه المظاهرات الليلية منذ يوم 15 كانون الثاني/يناير بين المتظاهرين وقوات الأمن في الأحياء الشعبية بعدد كبير من المدن في تونس، نشر مستخدمو الإنترنت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يتهمون فيها قوات الأمن باستخدام العنف بحق أشخاص عزَّل. وتمكن فريق تحرير مراقبون من التحقق من مقطعي فيديو يتم تداولهما بالخصوص على فيس بوك وتطبيق تيك توك.

إعلان

هذان المقطعان المصوران تم نشرهما دون توضيح في أي مدينة وفي أي تاريخ تم التقاطهما. ولكن يمكن رصد بعض المؤشرات، والتأكد من أنهما قد التقطا في سياق احتجاجات هذا الأسبوع.

تقرؤون أيضا على موقع مراقبون >> تونس: سيل من الصور من قلب الاحتجاجات الليلية التي تعم البلاد

في صفاقس، إطلاق "عيار ما" من سلاح غير قانوني على شخص في شرفة شقته

يظهر مقطع الفيديو الأول رجل أمن يطلق شيئا ما في اتجاه شخص متواجد في شرفة شفته. ونسمع رجل الأمن يصرخ في وجهه "أدخل إلى دارك، ن ***ك أمك ال****ة" قبل أن يطلق ذلك العيار من مسدسه.

تم نشر هذا الفيديو على تطبيق تيك توك في ليلة 18 كانون الثاني/يناير، ومن ثم تم حذفه بسرعة. ولكن قبل حذفه، قام مستخدمو الإنترنت بتحمليه ونشره على عدة صفحات في فيس بوك.

capture d'écran
capture d'écran © Youtube

قمنا بتحميل الفيديو من صفحة على فيس بوك ومن ثم تنزيله على حساب مراقبون على يوتيوب.

 

"هذه الأسلحة ليست معدة للإطلاق مباشرة على مسافة تقل عن عشرين مترا"

كانت الصور بجودة رديئة للغاية، وكان من الصعب التعرف على السلاح المستخدم، ولكننا عرضنا هذه الصور على خبير في أسلحة باليستية طلب عدم الكشف عن هويته. إليكم التحليل الذي قدمه لنا:

أميل للاعتقاد بأنه قاذف عبوات مسيلة للدموع وأعيرة مطاطية، ذات سعة 34 إلى 40 مليمترا [فريق التحرير: وهو السلاح غير القاتل الذي تستخدمه قوات حفظ النظام في عدد كبير من الدول].

بالإضافة إلى ذلك، هذه الأسلحة متطابقة مع الخراطيش الأمريكية التي كانت تستخدمها الشرطة التونسية في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة. وقاذف الأسلحة الظاهر في الفيديو أحادي الأنبوب.

في كل الأحوال، ما يرتكبه هذا الشرطي في الحقيقة مناف لأي استخدام "محترف". هذه الأسلحة لا تستخدم في عملية "إطلاق مباشرة''، على مسافة تقل عن عشرين مترا، مثلما يفعل هذا الشرطي الظاهر في الفيديو، سواء تعلق الأمر بذخائر من عيار 37 مليمترا أو خراطيش مطاطية، أو عبوات مسيلة للدموع لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى إصابة الشخص بجروح بالغة الخطورة.

وتمكن فريق تحرير مراقبون من تحديد مكان التقاط الفيديو بدقة.

من خلال تفحص حساب الشخص الذي نشر الفيديو لأول مرة على تطبيق تيك توك، وجدنا مقطع فيديو آخر تم التقاطه في نفس المكان، في يوم الأحد 17 كانون الثاني/ يناير. هذه المرة، تم التقاط الفيديو في وضح النهار، وهو ما جعل الصور أكثر وضوحا. وتحت هذا الفيديو، كتب هذا الشخص ما يلي: "حي الحبيب، صفاقس". وهي مدينة ساحلية في شرق البلاد تقع على بعد 270 كم جنوب تونس العاصمة.

من اليسار إلى اليمين، صور شاشة من مقطع الفيديو الذي يظهر الشرطي يطلق شيئا ما على شخص متواجد في شرفة شقته، صور شاشة من مقطع فيديو تم التقاطه في نفس المكان ونشر من قبل نفس الحساب على تطبيق تيك توك.
من اليسار إلى اليمين، صور شاشة من مقطع الفيديو الذي يظهر الشرطي يطلق شيئا ما على شخص متواجد في شرفة شقته، صور شاشة من مقطع فيديو تم التقاطه في نفس المكان ونشر من قبل نفس الحساب على تطبيق تيك توك. © تيك توك

قمنا بمقارنة هذا الفيديو مع صور الأقمار الاصطناعية لخرائط "غوغل" في منطقة حي الحبيب في صفاقس. وتوصلنا إلى أن الفيديو التقط في شارع اليمن في مدينة صفاقس، تحديدا هنا.

وتتطابق صور الأقمار الاصطناعية بشكل تام مع مقطع الفيديو. ومن بين المؤشرات، يمكن أن نميز، من خلال الصورة المثبتة، الشجرة والغطاء القماشي الرمادي في مدخل البناية التي استهدفها الشرطي (في الإطار الأحمر).

أما الغطاء القماشي المخطط بالأبيض والأزرق (داخل الإطار الأخضر) فإن الصورة المثبتة الثانية تتطابق أيضا مع صورة خريطة غوغل. وعلى الصورة المثبتة الثالثة (في الإطار الأزرق) يمكن أن نرى غطاءين أخضرين وفي الوسط غطاء رماديا، تماما مثلما هي الصور على خريطة غوغل.

يتطابق مقطع الفيديو بشكل كامل مع صور الأقمار الاصطناعية لشارع اليمن، شجرة وغطاء رمادي ( باللون الأحمر) وغطاء مخطط بالأزرق والأخضر (باللون الأخضر) وغطاءان أخضرا (باللون البنفسجي).
يتطابق مقطع الفيديو بشكل كامل مع صور الأقمار الاصطناعية لشارع اليمن، شجرة وغطاء رمادي ( باللون الأحمر) وغطاء مخطط بالأزرق والأخضر (باللون الأخضر) وغطاءان أخضرا (باللون البنفسجي). © تيك توك

 

يتطابق مقطع الفيديو بشكل كامل مع صور الأقمار الاصطناعية لشارع اليمن، شجرة وغطاء رمادي ( باللون الأحمر) وغطاء مخطط بالأزرق والأخضر (باللون الأخضر) وغطاءان أخضرا (باللون البنفسجي).
يتطابق مقطع الفيديو بشكل كامل مع صور الأقمار الاصطناعية لشارع اليمن، شجرة وغطاء رمادي ( باللون الأحمر) وغطاء مخطط بالأزرق والأخضر (باللون الأخضر) وغطاءان أخضرا (باللون البنفسجي). © غوغل مابس

 

اعتقال عنيف في الحمامات

أما مقطع الفيديو الثاني للعنف البوليسي الذي تمكنا من التحقق منه فقد تم نشره على فيس بوك في ليلة 17 كانون الثاني/يناير، ولكن دون ذكر مكان التقاطه. ويظهر الفيديو رجال شرطة من فرقة التدخل والإنقاذ (شرطة النجدة) يقومون بعملية إيقاف عنيفة بحق شخصين.

ونرى في البداية رجلي شرطة، يبدون أن أحدهم كان يرتدي زيا مدنيا، يضربان رجلا باللكمات وبالعصي. ومن ثم يقومان بدفع هذين الشخصين في صندوق العربة موجهين لهما وابلا من الشتائم. ويحاول الرجل وينجح في الهرب من العربة لبرهة من الزمن.

وفي الثانية الثامنة والخمسين من مقطع الفيديو، يبدو أن الشرطي كان بصدد النقاش مع رجل آخر قبل أن يلوي ذراعه بسرعة ومن ثم يطرحه أرضا قبل أن ينهال عليه بوابل من اللكمات.

 

Capture d'écran de la vidéo d'interpellation à Hammamet.
Capture d'écran de la vidéo d'interpellation à Hammamet. © Youtube

قمنا بتحميل الفيديو من صفحة على فيس بوك ومن ثم تنزيله على حساب مراقبون على موقع يوتيوب.

"لا نقوم بإيقاف شخص وجها لوجه، بل نديره حتى نوقفه وهو على ظهره"

عرضنا الفيديو على نفس المختص في الأسلحة، و الذي كان هو بدوره عضوا سابقا من قوات الأمن. و بحسبه، فإن طريقة الإيقاف ليست محترفة بالمرة:

أولا لا نقوم بإيقاف شخص وجها لوجه، بل نديره حتى نوقفه وهو على ظهره ونثبته دون ضربه. هنا، يتواجد شرطيان دون القيام بتنسيق فيما بينهم لتركيب الأصفاد في يدي الموقوف. الإجراء المتعارف عليه ينص على أنه يجب تقييد الموقوف قبل أن يتم وضعه داخل العربة. وإذا ما خلق الموقف مشكلا ما، لا يجب أن نقوم بضربه، ولكن يجب استخدام يديه المقيدتين أصلا، وربما رفع ساقيه ليتم وضعه أفقيا في صندوق العربة.

ثم أنه لا وجود لأصفاد من نوع "سيرفليكس" تمكن تقييد حركة يدي الشخص وهو ملتفت إلى الخلف. يجب أن تكون الأصفاد "جاهزة" خلال عملية الإيقاف. كانت يدا الموقوف الأول طليقتين ومنع عملية نقله إلى داخل العربة.

أما فيما يخص عملية الإيقاف الثانية (في حدود الدقيقة الأولى من مقطع الفيديو) كان الأمر مماثلا بشكل تام: رجل شرطة يضرب الموقوف بعصا فيما كان الشرطي الثاني بصدد تثبيت الأصفاد.

وعوض إدارة الموقوف ووضع الأغلال وهو ملتفت إلى الخلف، يقوم الشرطي بضربه.

ومن خلال الاعتماد على شهادات مستخدمي الإنترنت ووسائل تحديد المواقع، تمكنا من العثور على مكان التقاط المقطع المصور. فقد وقعت الحادثة في مدينة الحمامات شمال شرق البلاد، في شارع الحرية وتحديدا هنا.

قمنا بمقارنة صور مثبتة مع المقطع المصور لعملية الإيقاف مع صور تطبيق "غوغل ستريت فيو" تم التقطاها من زاويتين مختلفتين.

وعلى الصور المثبتة من فيديو عملية الإيقاف، نعثر على عدد كبير من المؤشرات المعمارية التي تتطابق إذا مع هذا الموقع الموجود على التطبيق.

ومن المربع المرسوم باللون الأحمر، نجد نفس الشكل الهندسي الموجود في أعلى البناية في الصور الموجودة في تطبيق "غوغل ستريت فيو" (في الصورتين الأولى والثانية).

أما عمود الإنارة الموجود داخل المربع الملون بالأخضر تحت المربع الأحمر مباشرة، فنجده هو الأخر في نفس المكان على صور "غوغل ستريت فيو".

كما أن واجهات المحلات التجارية المدهونة باللون الأحمر والبنفسجي في الصور المثبتة ظاهرة هي الأخرى في صورتي "غوغل ستريت فيو" اللتين وضعتا في المربعين الأزرق والبنفسجي.

في المربع الوردي، نجد نفس إطارات العجلات المربوطة بسلاسل حديدة (وهي طريقة يستخدمها عدد من التجار لملء مكان وقوف أو لمنع السيارات من التوقف أمام واجهة محلاتهم). وفي الأخير، فإن مصباح الشارع (الموجود داخل المربع البرتقالي) الذي يظهر فيديو عملية الإيقاف موجود أيضا في صورتي تطبيق "غوغل ستريت فيو".

صور شاشة من فيديو عملية الإيقاف.
صور شاشة من فيديو عملية الإيقاف. © تيك توك

 

الصورة الأولى.
الصورة الأولى. © غوغل ستريت فيو

 

الصورة الثانية
الصورة الثانية © غوغل ستريت فيو

 

أسبوع من المواجهات الليلية في تونس

وفي بيان نشر في 18 كانون الثاني/يناير، نددت منظمة العفو الدولية بـ"استخدام مفرط للقوة" ضد المتظاهرين. وأشارت المنظمة غير الحكومية المختصة في الدفاع عن حقوق الإنسان بالخصوص إلى مقطعي فيديو يتم تداولهما على وسائل التواصل الاجتماعي يظهران رجلَي أمن يضربان ثم يجران رجلا مطروحا على الأرض على امتداد عدة أمتار.

وتلقى فريق تحرير مراقبون نسخة من هذه الصور. وإلى حد الآن، لسنا قادرين على تأكيد مكان حدوث هذه المشاهد بشكل قاطع أو تاريخ التقاطها أو ملابساتها.

وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية خالد الحيوني قد تحدث يوم الاثنين 18 كانون الثاني/يناير، عن إيقاف أكثر من 600 شخص من المتظاهرين تبلغ أعمار معظمهم ما بين خمسة عشر وعشرين عاما.

من جانبه، أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية عن إنشاء خلية من المحامين لتقديم الدعم القانوني للشباب الموقوفين عقب هذه الاحتجاجات. بالإضافة إلى ذلك، أطلق المنتدى منصة على شبكة الإنترنت لاستقبال شهادات محتملة عن القمع البوليسي.

واتصل فريق تحرير مراقبون بوزارة الداخلية للتحادث معها بشأن هذه الفيديوهات التي تظهر ارتكاب عنف بوليسي. وسنقوم بنشر ردها حال وروده إلينا.