يُعرف شمال تركيا بإنتاج الشاي ولكن أيضا بالبندق الذي يمثل 70 بالمائة من الإنتاج العالمي لهذه الفاكهة. ولجني البندق، يلجأ ملاكو هذه الحقول للعمال الموسميين ومعظمهم من الأكراد أو السوريين للعمل في ظروف قاسية دون عقود في معظم الأحيان كما يكونون في بعض الأحيان ضحايا للعنصرية. أحيا مقطع فيديو اُلتقط في بداية شهر سبتمبر/أيلول يُظهر مجموعة من الرجال يضربون العاملات في جني البندق بقسوة، الجدل بخصوص العنصرية التي يواجهها الأكراد.

في قرية أورطة كوي سوتماهال، الواقعة في محافظة صقاريا شمال تركيا، صُور ثمانية رجال وهم بصدد ضرب مجموعة من العاملات الموسميات القادمات من منطقة ماردين على بعد ألف ومئتي كيلومتر من المنطقة للعمل في جني البندق. وهو تصرف كان صادما بشدة لمستخدمي الإنترنت الأتراك، فقد وجَه رجل صفعة قوية لشابة صغيرة من العاملات. وحسب تصريحات والدها، فإن هذه المراهقة تعاني منذ ذلك الحين من صدمة.
مقطع فيديو صوره هاو التقطه أحد أفراد العائلة نشرته وكالة الأنباء الكردية ميزوبوتامي يوم 4 سبتمبر/أيلول.

وينتمي الضحايا إلى مجموعة من ستة عشر شخصا من أبناء ماردين معظمهم ينحدرون من نفس العائلة الموسعة. وصرح والد البنت وهو قاسم دمير لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي: "هاجم رجال الأطفال، لم أرهم وهم يضربون ابنتي لكنني رأيتهم يضربون النساء، من المرجح أن الأمور جرت بشكل مختلف"، إذ أكد الرجل أن الاعتداء يحمل نزعة عنصرية وأن سوء المعاملة يعود إلى أصولهن الكردية.

ويقول باريس ديمر أحد أفرد هذه العائلة في تصريح لوكالة الأنباء الكردية ميزوبوتامي أن المعتدي كانا ابن وابن أخي مالك حقل أشجار البندق وأن العنف بدأ بعد خلاف حول مكان عمل هاته العاملات الموسميات:
توجهنا إلى الضيعة في الصباح، قام مالك الحقل بكيل الشتائم لنا واصفا إيانا بالكلاب. غادرنا المكان بعد ذلك. لقد قام (صاحب الحقل) بتهديدنا فيما بعد قائلا: "هل تعتقدون أنكم في أرضكم؟ هذه (الأرض) لنا''. بعد ذلك جاء ثمانية أشخاص بعصي وهاجمونا.

وتمكنت العائلة من مغادرة المكان فورا وعادت إلى ماردين في حافلة صغيرة في صباح اليوم التالي.

أكراد آخرون تعرضوا إلى هجمات عنصرية في صقاريا في الماضي

وبعد نشر قصة هذه المجموعة في وسائل الإعلام التركية، تم إيقاف اثنين من المعتدين عليهم قبل أن يتم إطلاق سراحهم مع إبقائهم تحت المراقبة القضائية. وأكد عدد كبير من ممثلي الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية أن هذا الهجوم لا يحمل أية صبغة عنصرية وأن الأمر لا يتعدى كونه "شجارا بين مزارعين".

واعتبر عدة ممثلين سياسيين ومدنيين للأقلية الكردية على غرار عبد الحكيم داش، رئيس منصة جمعيات الجنوب الشرقي (دي جي دي) أن "هذا الاعتداء هو تعبير فعلي عن الثقافة العنصرية الرائجة (في هذه البلاد) منذ قرن".

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، تعرض عامل موسمي كردي آخر لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره واسمه سيرين توسون إلى الاعتداء على يد مجموعة من ستة أشخاص في صقاريا بعد أن تحدث باللغة الكردية. وتلقى رصاصة في الرأس وتوفي بعد أربعة وخمسين يوما في قسم العناية المركزة.

كذلك في صقاريا، وتحديدا في ديسمبر/كانون الأول 2018، قُتل رب عائلة كردي في الشارع حين كان ذاهبا لجلب ابنه من الحلاق. وبعد أن سُئل عن أصوله قبل أن يقتل.، قال إنه كردي.

 

"أهالي هذه المنطقة معروفون بميولهم القومية المتشددة"

يعمل أوزغو شيتانكايا بشكل دوري مع عمال موسميين في تركيا كمدير مشروع في تعاونية "ورشة التنمية" (كالينما أتوليسي) التي تروج لنموذج التعاونيات وتنشر بشكل دوري تقارير بخصوص العمل الزراعي الموسمي.
الممارسات العنصرية التي تستهدف العمال الموسميين، وغالبيتهم من الأكراد والسوريين، تحدث باستمرار في منطقة البحر الأسود (شمال تركيا). أهالي هذه المنطقة معرفون بميولهم القومية المتشددة. أذكر على سبيل المثال أن حاكم إقليم أوردو (شمال شرق تركيا) اتخذ قرارا بمنع العمال الموسميين الأكراد من القدوم لجني المحاصيل منذ بضعة سنوات [فريق التحرير: بين سنتي 2003 و2008].

أعمال العنف ليست أمرا نادرا بين ملاكي الأراضي والعمال الموسميين الذي يعملون لديهم وتبدأ غالبا بخلافات بشأن مستحقات العمال أو ظروف العمل. العمال الموسميون في تركيا لا يتمتعون بعقود وكل شيء يتم شفاهيا. وإذا كان مالك الحقل غير قادر على الدفع، أو يخفض من الرواتب أو يتأخر في الدفع، وهو أمر متكرر بشدة، فيبدأ الاحتقان بالتصاعد.

احتقان بسبب الرواتب الزهيدة والظروف الصعبة
 
هذا الاحتقان يتغذى أيضا من الشعور بالغبن لدى العمال الفقراء الذين يعلمون صيفا كاملا مع عائلتهم بما فيهم الأطفال للتمكن من ضمان قوتهم خلال فصل الشتاء في مناطقهم التي لا تتوفر فيها فرص العمل. يعمل هؤلاء الناس في معظم الأحيان لمدة اثنتي عشرة وثلاث عشرة ساعة في اليوم تحت أشعة الشمس ودون المعدات الضرورية ويحملون أكياسا ثقيلة وينامون في المخازن أو الخيام مع نزر قليل من ظروف الراحة.

إنهم يعيشون في معظم الأحيان مديونين كما يدفعون جزءا من راتبهم [فريق التحرير: ما بين 65 و90 ليرة تركية أي ما يعادل ما بين 7 و10 يورو، فيما يبلغ الأجر الفلاحي الأدنى القانوني 115 ليرة أي ما يعادل ثلاث عشرة يورو] للوسيط الذي عثر لهم على شغل.

وأكبر مشترٍ لمحاصيل البندق التي يجمعها العمال الموسميون في شمال تركيا هي شركة فيريرو الإيطالية المعروفة خصوصا بإنتاج معجون الشوكولاتة الشهير نوتيلا. وأجبرت ظروف العمل التي يعيش فيها هؤلاء العمال الزراعيون والتشغيل الواسع للأطفال هذه الشركة متعددة الجنسيات إلى إنشاء برنامج تدريبي لمالكي حقول البندق وتركيز نظام متابعة لجني البندق. ومثلما كشفته شبكة بي بي سي سنة 2019، فإن هذه البرامج تبقى بعيدة كل البعد عن وضع حد لتشغيل الأطفال وللرواتب التي تقل عن الحد الأدنى القانوني.