تضاعف في غضون خمسة أشهر عدد النازحين من محافظة كابو ديلغادو في شمال موزمبيق. وفر الآلاف من التطرف الإسلامي الذي بدأ تنظيم "الدولة الإسلامية" بتبني عدد من عملياته منذ 2019، ليجدوا لأنفسهم ملاجئ مؤقتة لدى معارفهم أو في المخيمات المكتظة. وأمام الوضع الإنساني الحرج، تتزايد نداءات المنظمات المدنية لتقديم المساعدة.

ومنذ تشرين الثاني/أكتوبر 2017، تُعتبر منطقة كابو ديلغادو الغنية بالغاز الطبيعي مسرحا لهجمات ينفذها تنظيم مسلح يطلق عليه محليا اسم الشباب ولكن دون أن تكون له أية علاقة بالتنظيم الإسلامي الذي يحمل نفس الاسم. وخلال ثلاث سنوات، أسفرت أعمال العنف عن سقوط أكثر من 1400 قتيل حسب المنظمة غير الحكومية "ذي أرمد كونفليكت لوكايشن أند إيفنت داتا بروجكت" (أيكليد)، التي توثق الوضع في كابو ديلغادو.


تقرؤون على موقع مراقبون مراقبون فرانس 24 >> تحقيق : آلاف السكان يهربون من خطر الإرهاب الإسلامي في شمال موزمبيق (1/2)

250 ألف نازح في كابو ديلغادو

وتزايد عدد الهجمات منذ بداية سنة 2020. وبين شهري آذار/مارس و حزيران/يونيو، هاجم المتمردون عدة مدن رئيسية في المحافظة بالإضافة إلى قرى في أقاليم موسيمباو دا برايا، كاسينغا، مويدومبي وماكوميا أيضا. وتكشف الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي عن منازل مدمرة ومحترقة في بعض الأحيان ومقار إدارية مهجورة. وهو ما جعل الساكنين يلوذون بالفرار سواء كان ذلك عبر البحر أو البر.

وحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوشا)، تضاعف عدد النازحين منذ آذار/مارس ليصل إلى 250 ألف في محافظة كابو ديلغادو إلى حدود شهر تموز/يوليو. وهو ما يمثل حوالي عشرة بالمائة من سكان هذه المحافظة البالغ 2.3 مليون نسمة. ولجأ كثير من النازحين إلى مدينة بيمبا الساحلية عاصمة محافظة كابو ديلغادو. وفي معظم الأحيان استقبلهم معارفهم أو أحد أفراد عائلاتهم. لكن ظروف العيش مزرية بالإضافة إلى نقص المواد الغذائية.

ويحاول برنامج الأغذية العالمي، الذي يأمل في تقديم المساعدة لحوالي 200 ألف خلال شهر آب/أغسطس، تطويع خططهم في ظل تزايد أعداد النازحين. وخلال شهر سبتمبر/ أيلول، ستكون هذه الهيئة، التابعة لمنظمة الأمم المختصة بتقديم المساعدة الغذائية، قد وضعت نظام "قصاصات" يمكن استخدامها في المحلات التجارية المحلية.
يؤكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في هذه التغريدة أنه قدم المساعدة لـ 112728 نازح داخلي في محافظة كابو ديلغادو خلال شهر حزيران /يونيو و8030 نازح آخرين في محافظة نامبولا.
 

"الاحتياجات كبيرة جدا والمساعدات لا تصل لكل النازحين"

وتحرك بعض ساكني مدينة بيمبا أيضا من أجل تقديم المساعدة. ومع عدة شبان من كابو ديلغادو، أطلقت جيورجينيتا أيروزيا إدواردو خلال شهر حزيران /يونيو حركة ''أوخافيهيرا" – أي "مساعدة"- بهدف إيصال المواد الأساسية للأشخاص المحتاجين. وقدمت المنظمة المساعدة خصوصا لميغال موماد، الذي هرب من مدينة كاسينغا مع عائلته وعدة أطفال بعد هجوم في آواخر شهر آذار/ مارس (بإمكانكم الاطلاع على شهادته في الجزء الأول من هذا المقال).

وبفضل تبرعات تمكنت مبادرة جيورجينيتا أيروزيا إدواردو من دعم أربع عائلات أي 92 شخصا:
 
هناك حوالي 40 ألف نازح في مدينة بيمبا، بينهم نساء وأطفال وأشخاص مسنون. يوجد بعضهم هنا منذ ستة أشهر، لكن معظمهم وصلوا مؤخرا. استقبلهم أقاربهم بعدد يصل في بعض الأحيان إلى عشرة أو عشرين أو ثلاثين شخصا. الحكومة والمنظمات الدولية قامت بمجهود كبير لكن الاحتياجات كبيرة جدا ولا تصل المساعدات إلى الجميع. وبفضل مجموعة المتطوعين التي شكلناها في كابو ديلغادو، نحدد العائلات النازحة القادمة إلى مدينة بيمنا ونحصي احتياجاتهم: إن يحتاجون إلى طعام وملابس وأحذية أو مكان ينامون فيه بكرامة.

وبفضل تبرعات وشراكة مع مؤسسة هنا في بيمبا، نوزع مساعدة غذائية ومواد نظافة وملابس. كما نحاول أيضا مساعدة العائلات على القيام بنشاط تجاري صغير حتى لا يعتمدوا على التبرعات. فعلى سبيل المثال، اشترينا تجهيزات لبعض العائلات حتى تتمكن من صناعة المرطبات وبيعها.
عملية إغاثة قامت بها حركة ''أوخافيهيرا" في مدينة بيمبا. صورة نشرت للمرة الأولى على حساب جيورجينيتا أيروزيا إدواردو على إنستاغرام.
 

"الأولوية اليوم هي توفير الطعام والخيام"

في إقليم موتيغ المجاور لبيبمبا، أقامت سلطات المحافظة خمس مراكز إيواء قادرة على استيعاب أكثر من عشرة آلاف شخص. وجاءت كمية من الخيام من المنظمات الإنسانية على غرار المنظمة الدولية للهجرة، التي قامت في السابق بإيواء ضحايا إعصار كينيث الذي حدث العام الماضي في نفس مكان المخيمات الحالية. كما تم إقامة ملجأ آخر بالإمكانيات المتاحة.
نشرت جاسمين أوبرمان المحللة لدى المنظمة غير الحكومية أيكليد، هذه الصورة التي التقطتها وسيلة الإعلام بيناكل نيوز في مراكز الإيواء في ميتوج.
 
وتقدم أبرشية بيمبا ومنظمة كاريتاس المساعدة بشكل دوري في هذه المخيمات ولكن التكفل بضحايا النزاعات يبقى أمرا معقدا أيضا حسبما يؤكده أسقف مدينة بيمبا لويز فرناندو ليزبوا:
 
في إقليم ميتوج، تبقى عملية إحصاء عدد النازحين أسهل -مقارنة بالوضع في بيمبا- لأنهم متجمعون في نفس الأماكن. وتتدخل عدة أطراف في هذه المخيمات لتقديم المساعدة وتنسق مع السلطات. لكن وبالرغم من ذلك لم تتوفر ظروف استقبال كريم. وقامت سلطات المحافظة مؤخرا بتوفير المياه. لكن لا يوجد ما يكفي من الملاجئ: في بعض الأحيان تنام عائلتان أو ثلاث في نفس الخيمة. ويعد عدد أفراد العائلات كبيرا مثلما هو عليه الحال في بيمبا وهو ما يجعل الالتزام بالمسافة الآمنة بين الأشخاص في الوقت الذي نعيش فيه فترة جائحة فيروس كورونا أمرا صعبا (فريق التحرير: أحصت البلاد 1701 حالة إصابة بالفيروس ووفاة 11 شخصا). قمنا بتوزع أقنعة واقية لكن ذلك ليس كافيا لحل المشكلة.
 
الأولوية الآن هي توفير الغذاء والخيام. نتحدث أيضا مع هؤلاء الأشخاص، ونحن بصدد إعداد فريق سيكون مكلفا بالمتابعة النفسية والاجتماعية نظرا لمعاناتهم إثر صدمات نفسية. المتابعة الطبية ضرورية : فقد سار عدد منهم في الطبيعة طيلة أيام وأصيبوا بجروح. التقينا أيضا بفتاة مراهقة أنجبت طفلا أثناء هروبها. ومن ثم يجب أن تتلقى الموزمبيق المساعدة من المجتمع الدولي لإعادة إعمار المنطقة لأننا نأمل أن ينهي هذا أسقف بيمبا وجمعية كاريتاس في مخيمات النازحين في إقليم ميتوج خلال شهر يونيو/ حزيران.

أسقف بيمبا وجمعية كاريتاس في مخيمات النازحين في إقليم ميتوج خلال شهر حزيران /يونيو.

يقدم حاكم محافظة كايو ديلغادو فاليج توابوا المساعدة الغذائية للعائلات النازحة في ميتوج.

 
وحسب المعهد الموزمبيقي للتصرف في الكوارث الطبيعية فقد استقبلت محافظة نامبولا المجاورة أيضا ثمانية آلاف شخص بينهم حوالي 4400 طفل. وفي 14 تموز/يوليو، أعلنت حكومة محافظة نامبولا عن قرب افتتاح مركز عبور. وتخطط السلطات المحلية في المحافظة لتوفير أراض زراعية لفائدة النازحين، الذي يمثل المزارعون نسبة 87 بالمائة منهم. كما سيتم افتتاح مركز استقبال آخر في محافظة نياسا.
تحولت هذه الجمعية إلى محافظة نامبولا يوم 26 تموز/يوليو، مع عدد من أعضاء منظمة الطائفة الإسلامية في الموزمبيق بهدف توزيع سلال غذائية للنازحين من النزاع في كابو ديلغادو.
 
ولكن عدة منظمات تقدر أنه لم يتم إحصاء عدد النازحين بعد حيث يمكن أن يكون بعضهم متواجدا في مناطق يصعب الوصول إليها. وتتخوف منظمة الطائفة الإسلامية في الموزمبيق -الناشطة بكثافة على المستوى الإنساني في كابو دلغادو- بشأن الأشخاص الذين لم يغادروا الأقاليم المتضررة ويعيشون في ظروف قاسية جدا.
 
 زوارق تم شحنها بالمساعدات الغذائية من قبل منظمة الطائفة الإسلامية في الموزمبيق (سيمو) قبل عملية إغاثة في إقليم كاسينغا، حيث لم يتمكن كثير من الأشخاص من المغادرة. صورة أرسلتها منظمة سيمو إلى فريق تحرير مراقبون فرانس 24.

"المتساكنون الذين بقوا عالقين ينامون في المستنقعات"

وتحول مولانا منصور عضو منظمة سيمو لزيارة ضحايا إقليم كاسينغا الذي تضرر بشكل كبير بالهجمات. ويقول:
 
كانت رحلة خطيرة لأن المنطقة ليست مؤمنة. لقد تنقلنا عبر السفن محملين بسبعة أطنان من المساعدات الإنسانية، من بيمبا إلى مدينة أريمبا في البداية. وعلى عين المكان، رأيت بنفسي حوالي 350 منزلا محترقا [فريق التحرير: عدة صور نشرتها منظمة سيمو هنا]. لم يكن هناك محلات تجارية و لا شيء. الساكنون الذين بقوا في المكان ينامون في المستنقعات. لم يغادروا المكان لأنهم طاعنين في السن ولا يملكون ما يكفي من المال من أجل التنقل. ومنذ عدة أسابيع، لم يتنقل أي شخص إلى هذه المناطق كما لم يخرج هؤلاء السكان من منازلهم للصيد أو للبحث عن المياه. تمكنا من تقديم دقيق القمح والأرز والزيت والملابس لحوالي ثلاثة آلاف شخص.

تحولنا بعد ذلك إلى جزيرة كويزيو، حيث التقينا حوالي مائة عائلة. ورأينا منازل محترقة هناك أيضا. في النهاية، حللنا بجزيرة أيبو، التي تعد أكثر أمانة بفضل وجود عناصر للجيش. هرب عدد كبير من الناس من هذه الجزيرة خلال الهجمات الأخيرة في الإقليم، وهو ما جعل الكثير من الناس يلجؤون إلى هذا المكان. دامت عملية الإغاثة ثلاثة أيام. لم أر في حياتي وضعا مماثلا. كما اختفى عدد كبير من الأشخاص : فقد التقينا بسيدة تبحث عن أحد أفراد عائلتها وأعطتنا اسمه لكننا لم نستطع تحديد مكانه إلى الآن.
عملية إغاثة لمنظمة سيمو في إقليم كاسينغا استمرت ثلاثة أيام. نُشرت هذه الصورة على صفحة منظمة سيمو على فيسبوك في بداية حزيران/يونيو.
 
غياب أي تدخل إقليمي أو دولي
 
وعلى الرغم من تواتر العمليات العسكرية، لم تتمكن الموزمبيق من السيطرة على الوضع في محافظة كابو ديلغادو. وفي شهر أيار/مايو، أقرت مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية بخطر التطرف الإسلامي في كامل المنطقة لكن لم يتم إقرار أي تحرك إقليمي أو دولي.
 
وفي حوار مع إذاعة فرنسا الدولية في شهر تموز/يوليو، قدر الباحث مارتن روبيا من المعهد الإفريقي للحلول البناءة في النزاعات أنه "يجب دعوة منظمة تنمية دول جنوب إفريقيا رسميا للتدخل. ووضح مارتن وربيا: ''الدول تنتظر حتى آخر لحظة قبل التوجه للمنظمة. تمت تجربة وسائل أخرى في البداية، على غرار تدخل شركات أمنية خاصة، لأن أحدا لا يريد أن يتم تصنيف المنطقة على أنها منطقة نزاع." وبالفعل، كلفت الموزمبيق شركة أمنية خاصة تستخدم طائراتها المروحية في مكافحة المتمردين.
 
وفي مقال نُشر مؤخرا، ذكرت المحللة لدى المنظمة غير الحكومية "أيكليد" جاسمين أوبرمان أن رد قوات الأمن الموزمبيقية تمثل إلى حد الآن في "تكتيكات قهرية وانتهاكات لحقوق الإنسان". وبالتالي فإن تدخلا إقليميا يعتمد هذه الأساليب سيؤدي حسب رأيها إلى صعوبة في إرساء الثقة بين الطوائف المتضررة.
 
وفي تصريح لإذاعة فرنسا الدولية، اعتبر مارتن روبيا أيضا أن الخيار العسكري لوحده ليس كافيا بقوله: "هناك حاجة إلى الاستثمارات بالخصوص لإنشاء البنى التحتية وخلق مواطن عمل وإعادة الأمل إلى الناس."
 
حررت هذا المقال مايفا بولييه.