المراقبون


رصد الصيادون الإيرانيون من الخليج العربي إلى خليج عمان وصول منافسين جدد أضروا بشكل بالغ بأنشطتهم منذ سنوات عديدة. هؤلاء المنافسون هم سفن الصيد الصينية بالشباك المجرورة المعروفة باسم شباك "الترولة". وتنفي السلطات الإيرانية وجود هذه السفن في مياهها الإقليمية. لكن فريق تحرير مراقبون فرانس 24 تمكن من إعادة رسم تحرك سفن الصيد الصينية بشباك "الترولة" والتأكد، بفضل شهادات البحارة الإيرانيين، من التأثير الاقتصادي والبيئي لهذه البواخر التي تستخدم في معظم الأحيان أساليب غير شرعية للصيد البحري.

ومنذ خمسة أعوام، يشتكي البحارة الإيرانيون من تواجد سفن الصيد الصينية بالشباك المجرورة في مياه الخليج الفارسي وبحر عمان، والتي أنهكت الموارد البحرية المتوفرة.
وأضيف على هذه الاتهامات ضربة قاصمة منذ أعوام عندما ذهبت المنظمة الحكومية المحلية للصيد البحري إلى حد تكذيب وجود هذه البواخر الصينية أو أي اتفاق صيد بحري بين إيران وشركات الصيد البحري الصينية للنشاط في المياه الإيرانية.
مقطع فيديو التقطه بحار إيراني منشور على إنستاغرام يُظهر سفينة صيد صينية بشباك "الترولة" موجودة في المياه الإقليمية الإيرانية.

وبالرغم من ذلك، فإن العثور على آثار هذه السفن في المياه الإيرانية يبقى سهلا. أولا على إنستاغرام، يوثق كثير من البحارة الإيرانيين بالصور وجود هؤلاء المنافسين الذي وصل بهم الأمر في بعض الأحيان إلى مهاجمة سفنهم. وتمكن فريق تحرير مراقبون فرانس 24 أيضا من تحليل معطيات إبحار هذه السفن التي تؤكد وجود هذه البواخر في المياه الإقليمية الإيرانية.
قام فريق تحرير مراقبون فرانس 24 بتحليل معطيات المكان عبر الأقمار الصناعية المتوفرة على الإنترنت وتمكن من التعرف على أكثر من عشر سفن صيد صينية تصطاد في المياه الإقليمية الإيرانية يوم 15 تموز/يوليو كما تؤكد معطيات نظام "جي بي إس" لتحديد أماكن تواجد هذه السفن.

"لقد هاجمتنا سفن صيد إيرانية بمدافع بحرية وبطلقات نارية ضوئية"

خورشيد الذي فضل الاحتفاظ بهويته لأسباب أمنية، هو بحار شاب من جاسك، وهو ميناء بحري في مضيق هرمز، إحدى أكثر المناطق تضررا من سفن الصيد الصينية بشباك "الترولة".
 
بدأنا نلاحظ وجود هذه السفن منذ حوالي خمسة أعوام: لقد بدأت بالتدفق شيئا فشيئا واليوم عددهم يتزايد بشكل مستمر. لقد تقدمنا بشكوى لدى منظمات الصيد البحري التي قالت لنا إن ذلك مستحيل، وأصرت على القول لنا إن هذه السفن الصينية تصطاد في الحقيقة في المياه الدولية [فريق التحرير: لديها كامل الحق في ذلك].

قررنا إذا تصوير هذه السفن، و إثبات أن هذه السفن كانت موجودة بالفعل في المياه الإقليمية الإيرانية وذلك بفضل الإحداثيات التي يوفرها نظام الملاحة لتحديد المواقع على هذه السفن، وعرضنا هذه الأدلة فيما بعد على السلطات. لكن لم يقم أحد بأي تحرك. وبشكل تدريجي، أصبح حضور هذه السفن أكثر تواترا، بل أنها بدأت بمهاجمتنا بمدافع بحرية وبطلقات نارية ضوئية لأن بحارتها لا يريدون أن نصطاد معهم في نفس المنطقة.
 

تم تصوير سفن الصيد الصينية بشباك "الترولة" هذه حين كانت تصطاد في المياه الإقليمية الإيرانية.
 
وضحت لنا منظمة الصيد البحري مؤخرا أن هذه السفن تملك الترخيص لصيد سمك الميكتوفيد فقط (فريق التحرير: المعروفة أكثر باسم سمك الفنار، هذا النوع من الأسماك المتواجد في المياه الإقليمية الإيرانية على بعد 12 ميل بحري من السواحل وهو من الأنواع غير المرغوبة من البحارة الإيرانية لأنها غير مستهلكة في إيران لأسباب ثقافية ودينية في بعض الأحيان). وبالرغم من ذلك، تمكنا من ملاحظة أن سفن الصيد بشباك "الترولة" الصينية تصطاد كل ما يمكن أن يقع في شباكها وليس فقط هذا النوع من الأسماك.

ومنذ وقت بعيد، كنا نتجاهل وجود هؤلاء المنافسين الصينيين، أما اليوم أصبح الأمر مستحيلا فصيدنا أصبح أقل بـ50 بالمائة إذا ما قارنا بفترة ما قبل وصول هذه السفن في حدود سنة 2015.
 

وحسب التقديرات الرسمية التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية، فإن محصول الأسماك لصغار البحارة الإيرانيين تراجع بنسبة 50 بالمائة فيما تضرر كبار الصيادين بنسبة تصل إلى 75 بالمائة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.
سفن الصيد الصينية هذه تم تصويرها حين كانت تصطاد في المياه الإقليمية. وتقوم هذه السفن بنقل سلعها إلى الموانئ البحرية في الإمارات العربية المتحدة حسب المعلومات المتوفرة على الإنترنت.

وحسب مراقبنا، فإن سفن الصيد الصينية أكثر نجاعة وذلك يعود لعدة أسباب:
 
هذه السفن مجهزة بأنظمة السونار القادرة على تحديد مواقع أسراب الأسماك كما يستخدمون شباكا ضخمة تجر كل ما يعترض طريقها. أما نحن البحارة الإيرانيون لا نصطاد بهذه الطريقة: فنحن نستهدف نوعا محددا من الأسماك وشباكنا تفسح المجال للأسماك الصغيرة للهروب.
 
"بعض السفن تغير أسماءها إلى الفارسية وترفع علم البحرية الإيرانية"
 
كما نحترم تواريخ نهاية موسم الصيد [فريق التحرير: في إيران، كما في باقي أنحاء العالم، الصيد البحري ممنوع خلال بعض فترات العام بالنسبة إلى عدد من الأنواع بهدف السماح لها بالتكاثر والحفاظ على الموارد الطبيعية في الخليج العربي]. سفن الصيد الصينية بشباك "الترولة" لا تحترم هذه المواعيد وتواصل تدمير مواردنا.

ومنذ العام الماضي، بدأت وسائل الإعلام الإيراني بالاهتمام بوجود هذه السفن، التي يعتبر البعض أن لها مصالح تجارية مع السلطات المحلية. بعض أعضاء الإدارة أو أعضاء منظمة الصيد البحري السابقين أسسوا شركات وهمية: إنها في الحقيقة سفن صينية ببحارة صينيين لكنها غيرت أسماءها واستبدلتها بأسماء إيرانية بل أنها ترفع علم البحرية الإيرانية.
سفن صينية تعمل باسم شركة وهمية إيرانية باستخدام اسم فارسي حسب ما أكده مراقبنا.
 
"يجب على البحارة الإيرانيين التأقلم مع الوضع للاستمرار في نشاطهم أمام هذا الحضور الصيني"
 
وحسب عدة وسائل إعلام إيرانية، فإن مسؤولين محليين، خصوصا من الأعضاء السابقين والحاليين لمنظمة الصيد البحري الإيراني، قبلوا التعاون مع هذه الشركات من خلال استخدام شركات وهمية مقابل 6 بالمائة من أرباح البحارة الصينيين.

ويستأنف خورشيد حديثه قائلا:
مع الأسف، ليست السفن الصينية وحدها التي تقوم بالصيد الجائر: فكثير من الإيرانيين يستخدمون شباك "الترولة". إذ يجدون أنفسهم مضطرين لذلك للتأقلم مع الوضع والاستمرار في عملهم في ظل المنافسة.

وتغمض منظمة الصيد البحري أعينها لأنها إذا هاجمت السفن الإيرانية، فستتعرض للوم لأنها لم تتخذ نفس الموقف من السفن الصينية. ومن جهة أخرى، لا ترغب السلطات في طهران في توجيه اللوم إلى البحارة الإيرانيين، لأن ذلك يدر أموالا كثيرة رغم كل شيء. ولا يريدون إضافة سبب جديد للتململ. 

سفن صيد صينية بشبكة "الترولة "بأسماء فارسية تصطاد في المياه الإقليمية الإيرانية وتنقل سلعها فيما بعد إلى الصين حسب المعلومات المتوفرة على الإنترنت.
 
مازال هناك بعض المسؤولين الإيرانيين في منظمة الصيد البحري الذي يؤدون مهامهم كما يجب، وذلك من حسن الحظ، بالرغم من أن هذا القطاع يعاني من أزمة: عدد البحارة يتناقص بشكل تدريجي، إنهم لا يملكون ما يكفي من السفن ولا من المال لشراء المحروقات التي يحتاجونها. لا يمكن أن تكون لهم قدرة تنافسية أمام الصيد بشباك "الترولة".
 
" ما يحدث ليس إلا تخريبا للحياة البحرية في الخليج الفارسي"

هذا الصيد البحري الجائر لكل ما يعترض طريق الشباك يؤثر سلبا على صغار البحارة الإيرانيين، ولكن ليس هم لوحدهم. فارزاد (تم تغيير اسمه) هو خبير في الحياة البحرية في الخليج الفارسي وبحر عمان يوضح ما يلي:
 
ما يحدث في هذه المنطقة ليس إلا تخريبا للحياة البحرية. فسفن الصيد بالشباك المجرورة تمارس الجر في الأعماق. أي أنها تحمل معها ما يوجد في أعماق البحر. وكل ما تخربه في أعماق المياه يصعد إلى سطحها. وفي معظم أنحاء العالم، أسلوب الصيد البحري هذا يُعتبر غير شرعي [فريق التحرير: الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال منع هذا الأسلوب في سنة 2016].

في هذا النوع من الصيد، لا يتم استهداف نوع محدد من الأسماك: فالشباك الكبيرة تحمل وتقتل كل ما يعترض سبيلها على عمق مئات الأمتار: في الخليج الفارسي، أول ضحية لهذه الشباك هي الدلافين وصغار القرش والسلحفاة البحرية. هذان النوعان الأخيران من الأسماك مهددان بالانقراض في المنطقة بسبب هذا التصرف.

الصيد بالشباك المجرورة في الأعماق الذي تستخدمه السفن الصينية له تأثيران رئيسيان: أولا، الشباك تحمل معها الأسماك المستهلكة في منطقتنا، ما يعني تناقص أعداد الأسماك المتوفرة في السوق المحلي. ثم أنها تحمل الأسماك التي تمثل مصدر غذاء للحيوانات البحرية المفترسة الكبيرة، وهو ما يجعل هذه الحيوانات أكثر ضعفا وبالتالي لا تستطيع التكاثر ما يجعل عدد الأسماك يتناقص أكثر فأكثر في المنطقة.
بحار إيراني يصور شباك صيد مجرورة: ونسمعه يقول : "السلطات تقول إن شباك الصيد المجرورة لا توجد في المياه الإقليمية الإيرانية... لكن شاهدوا! العكس تماما هو ما يحدث!"
 
بشكل عام، هذه السفن الصينية توقف تشغيل نظم الملاحة البحرية (فريق التحرير: حتى لا يتم رصد تحركاتها) وتصطاد كل ما تستطيع صيده. وإذا ما تم رصد مكانهم، يمكن أن يضطروا إلى دفع غرامة تصل إلى 80 مليون تومان إيراني (فريق التحرير: أي حوالي 3200 يورو، وهو مبلغ الغرامة المالية بسبب إيقاف تشغيل نظام الملاحة البحرية). لكن بالنسبة إليهم، فإن هذا المبلغ يبقى زهيدا.

وحسب المعلومات التي بلغتني، يوجد ما لا يقل عن ستين سفينة صيد بالشباك المجرورة تصطاد في المنطقة، وحسب تقديراتنا، فإنها تصطاد حوالي 240 ألف طن من الأسماك سنويا، مقابل حوالي 220 ألف طن لكل البحارة الإيرانيين.

وفي العام الماضي، صادرت القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني حمولة ما لا يقل عن 19 سفينة صيد بشباك الترولة كانت تصطاد في المياه الإقليمية الإيرانية معظمهم من السفن الصينية. وأظهر تقرير مصور عرضته وسائل إعلام قريبة من السلطات، يمدح اعتراض هذه السفن، أن شباك الصيد المجرورة هذه حملت في طريقها كل أنواع الحيوانات البحرية وليس فقط الأسماك فانوسية كما يسمح لها القانون.

ومنذ بداية سنة 2020، أوقفت السلطات الإيرانية 34 سفينة صيد بالشباك المجرورة التي كانت تصطاد في مناطق ممنوعة دون توضيح ما إذا كان الأمر يتعلق بسفن أجنبية أو إيرانية. وحسب المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام الإيرانية، فإن سفن الصيد بشباك "الترولة" تتعرض فقط للتوقيف لمدة شهر واحد عندما يتم اعتراضها قبل أن تعود للصيد من جديد.

حرر هذا المقال إرشاد عليجاني.