أرسل أحد سكان الدائرة السابعة عشرة في باريس لفريق تحرير "مراقبون" بفرانس24 صورا التقطها من شرفته ويظهر فيها علما كونفدرالي مرفوع على نافذة ثكنة عسكرية بالقرب من بيته. ويثير هذا العلم الذي يعتبر رمزا للعنصرية، وحتى العبودية، الكثير من الجدل بين العديد من الناس، في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل في المجتمع الفرنسي حول العنصرية بين عناصر الشرطة.

تحديث بتاريخ 10/07/2020: إضافة صورة من تطبيق غوغل ستريت تعود إلى يوليو/تموز 2014.

تم التقاط الصور في الساعة التاسعة من مساء 31 يونيو/حزيران. ويظهر بوضوح العلم الكونفدرالي الذي يغطي النافذة بشكل شبه كامل في الطابق الثاني لمبنى تابع لثكنة شرطة تقع في 46 شارع بيسيير.



ويقول الشخص الذي أرسل الصور والذي فضلنا عدم ذكر هويته "على هاتين الصورتين، ترون في أقصى اليسار العلم الكونفدرالي (رمز العنصرية) الذي لا محل لوجوده في ثكنة شرطة بالنسبة إلي."
على اليمين صور علم كونفدرالي التقطت في 2020 في ولاية ميسيسيبي التي تحمل في أعلى يمين علمها هذا الرمز، لكنها حذفته يوم 30 يونيو/حزيران، بعد قرار من حاكم الولاية. وهو قرار هدفه "التصالح والتقدم" بعد مقتل جورج فلويد والانتفاضة ضد العنصرية التي تبعت وفاته. الصور: فليكر/ إدوارد ستوياكوفيتش.

وتمكنا من التأكد أن هذه الصور صحيحة بفضل المعطيات المتوفرة في الصور الأصلية التي تم إرسالها إلينا عبر البريد الإلكتروني. تشير هذه المعطيات بالخصوص إلى المكان الذي التقطت فيه الصورة بدقة، ونوع الهاتف الذكي الذي صورها وتوقيت التقاطها.

صورة الشاشة هذه المأخوذة من جزء من وثيقة المعطيات التي تؤكد تاريخ التقاط الصور ومعلومات أخرى مكننا منها صاحب الصور.

ووصلت إلينا هذه الصورة بعد حوالي ساعة من التقاطها وتحولنا على عين المكان في ظهر اليوم الموالي، أي يوم غرة يوليو/تموز. لكن العلم اختفى من النافذة حسبما رأيناه من الشارع.

وأكد لنا شرطي أنه علم بـ''قصة هذا العلم" مشددا على أنه لم ير ذلك بعينيه وأنه لا يريد الإدلاء بتصريح بشأن هذا الموضوع.

وفي غرة يوليو/تموز، اتصل فريق التحرير بمحافظة الشرطة في باريس للحصول على توضيحات بخصوص وجود هذا العلم وإذا ما كانت قد اتخذت إجراءات عقابية. لكن المؤسسة الأمنية رفضت الرد على أسئلتنا عبر البريد الإلكتروني بالرغم من مكالماتنا الهاتفية العديدة. وسننشر ردها حال وروده إلينا.

وغداة نشر هذا المقال، أكد لنا أحد القراء أن العلم الكونفدرالي نُشر مرة أخرى على الأقل في الماضي. ويمكن أن نرى ذلك على تطبيق غوغل ستريت فيو من شارع مجاور لمشهد يعود إلى يوليو/تموز 2014. ولا يظهر العلم في المشاهد المصورة في الأعوام التالية.

رمز للعنصرية

ويتكون العلم الكونفدرالي من خلفية حمراء عليها صليب أزرق انحرافي نحو الأطراف وثلاث عشرة نجمة بيضاء. ويمثل علم الولايات الجنوبية في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تمارس الاستعباد والتي كانت في مواجهة ولايات الشمال إبان الحرب الأهلية الأمريكية.

ولا يحظى الرفع الرمزي لهذا العلم بالإجماع في الولايات المتحدة، لكنه يعتبر لدى شريحة واسعة من الناس على أنه رمز لإيديولوجيا عنصرية أو حتى مساندة لتفوق الجنس البشري الأبيض وللاستعباد. وتبني هذا العلم من جديد أعضاء جماعة كو كلوس كلان Ku Klux Klan، وهي منظمة سرية إرهابية تتبنى فكرة تفوق الجنس البشري الأبيض وأسسها ضباط سابقون في الجيش الكونفدرالي.

وبعد الجدل بخصوص وجود هذا العلم على منشآت عمومية في كارولاينا الجنوبية إثر مجزرة شارلستون في سنة 2015، صرحت المؤرخة نيكول باشران حينها لصحيفة ليبيراسيون الفرنسية بأن العلم "استعمله بالخصوص مساندو التمييز العنصري خلال المظاهرات المناوئة لمنح الحقوق المدنية للسود في سنوات الستينات من القرن الماضي، (...) هذا العلم يبقى رمزا واضحا للعنصرية بشكل لا غبار عليه (في الولايات المتحدة)، وتستخدمه جماعات اليمين المتطرف، وفي بعض الأحيان من مؤيدو حمل السلاح."

وفي محادثة مع هيئة التحرير، يعتبر الصحفي المستقل سيباستيان بوردون، المختص في اليمين المتطرف أن هذا العلم أقل شهرة من علم ألمانيا النازية، لكنه يبقى مستعملا بكثرة في الأوساط المهووسة بالهوية الأصلية.

 
عندما أطلع على حسابات أشخاص محسوبين على اليمين المتطرف في فرنسا، أرى أن كثيرا منهم يعلقون هذا العلم على حيطان بيوتهم الخاصة، خلال الاحتفالات والاجتماعات. ولم أر هذا العلم في مقرات هذه المجموعات. لكن عددا قليلا من الصور يتسرب من هذه الأماكن. هذا العلم هو رمز مستخدم منذ وقت طويل في فرنسا من قبل اليمين المتطرف في المقام الأول ولكن أيضا من قبل الجماعات المتطرفة في جماهير كرة القدم، على غرار مدينة نانسي (شمال شرق) . كما استخدم هذا الرمز مؤخرا أحد فناني الشارع المهووسين بالهوية وهو يحمل اسم "لا كاغول" ("اللثام" بالعربية).


نُشر هذا الرسم بعنوان "وايت براذر"، أي "الأخ الأبيض" بالعربية، في 25 مارس/آذار الماضي على قناة تليغرام التابعة لـ"لا كاغول". ونرى في يمين الصورة العلم الكونفدرالي، وعلى اليسار "توتن كوبف" إحدى فرق "فافن أس أس Waffen-SS" (الجناح العسكري للحزب النازي الألماني).
 
''من المحتمل أن يكون ذلك رد فعل على الأحداث الراهنة"
 
ولم تفاجئ عملية نشر هذا العلم نوام أنور المعتمد الجهوي لنقابة الشرطة والعام في منطقة إيل دو فرانس "فيجي" (التابعة لنقابة الشرطة السابقة في الجامعة العامة للعمل سي جي تي، وهي نقابة أقلية للغاية):
 

تم عرض هذا العلم في واجهة الشارع في سياق شديد الخصوصية، من المحتمل أن يكون ذلك بمثابة رد على الأحداث الراهنة [فريق التحرير: مظاهرات حركة حياة السود مهمة "بلاك لايفز ماتر" المتعلقة بمقتل جورج فلويد]. لكن أكثر ما يؤلمني هو تعميم حالة الإفلات من العقاب. أشك أن الأشخاص المسؤولين على نشر هذا الرمز سيُعرضون على تحقيق إداري.

نددت بنفسي بنشر رسوم عنصرية وملصق مسرحية للفنان ديودوني، في مقر للشرطة في منطقة مينيل-أملوت في سنة 2017، لكن لم يحدث شيء حينها.
 
وتقدمت النقابة التي ينتمي إليها نوام أنور، والتي كانت حينها جزء من نقابة سي جي تي، بشكوى ضد مؤسسة تابعة لقوات حفظ النظام سي أر أس في مدينة بيربينيان (جنوب) بعد اكتشاف صورة لهتلر في مقرها. ولكن لم يتم النظر في الشكوى ولم تلق الشرطي إلا توبيخا.
 
العلم موجود بالفعل في أقسام شرطة أخرى
 
بين سنتي 2014 و2019، أكدت صور وجود العلم الكونفدرالي في مقار مختلفة تابعة للشرطة الفرنسية.

وبالفعل، يظهر هذا العلم الذي يرمز للجنوب الأمريكي في صور منشورة على تويتر بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول بمناسبة زيارة وزير الداخلية الفرنسية آنذاك برنار كازنوف إلى محافظة الشرطة في الدائرة الرابعة عشرة في باريس. وبعد الجدل الذي رافق الصورة، حاولت محافظة الشرطة في باريس تنسيب الأمور في "قضية غير موجودة أصلا" معتبرة أن نشر هذا العلم لا يحمل طابعا سياسيا وأن الأمر يتعلق بشخص معجب بالولايات المتحدة، حسبما ذكرته صحيفة لوباريزيان الفرنسية.

وفي يونيو/حزيران 2019، رصد أحد مستخدمي الإنترنت علما كونفدراليا في محافظة في قسم للشرطة في مدينة نيور (غرب)، تم تصويره أثناء تقرير تلفزي عرض على قناة فرانس3 الجهوية في جهة لا نوفال أكيتان (جنوب غرب).

وفي الأسابيع الأخيرة، نشر الموقع الإلكتروني الإعلامي ستريت بريس ومنصة أرتي راديو رسائل متبادلة داخل مجموعات أعوان شرطة على فيس بوك وتطبيق واتساب تحمل تصريحات عنصرية ومعادية للسامية ومناهضة للأجانب ومعادية للنساء. وطالب وزير الداخلية كريستوف كاستانار، الذي تم تبدليه بجيرالد دارمانين، المدعي العام في باريس بالتحقيق في هذه " التصريحات غير المقبولة (إذا ما تم التحقق من صحتها) والتي تشكل طعنا كبيرا في شرف الشرطة والدرك الوطني التي يعمل رجالها ونساؤها يوميا من أجل حماية الفرنسيين وأيضا ضد العنصرية والتمييز العنصري."

حررت هذا المقال ليزلوت ماس.