تهز الولايات المتحدة احتجاجات واسعة ضد العنصرية وعنف الشرطة منذ مقتل جورج فلويد في 25 مايو/أيار الماضي فيما يحاول عدد من مستخدمي الإنترنت المحافظين تشويه هذه الحركة. فقد أنشأ عدد منهم حركة دعم كاذبة للأمريكيين من أصل أفريقي تتمثل في الدعوة إلى حلق الشعر "بغاية التحرر من شعر أصحاب البشرة البيضاء المميز". لكن هذه الحملة لاقت فشلا ذريعا.

أعطيت إشارة الانطلاق لهذه الحملة على المنتدى الإلكتروني الشهير في الولايات المتحدة "4 شان" حيث يتبادل عدد من رواد الإنترنت الساعين إلى " الترولينغ" (خلق ضجة)، أي إحداث جدل ومحادثات بلا نهاية حول قضية ما، وفي معظم الأحيان لا أساس لها من الصحة على شبكات التواصل الاجتماعي، وغالبا ما تتم هذه العملية بدون ذكر الأسماء وبطريقة عدوانية.


"حاوٍلوا أن يغزو وسم #غو بالد فور بي إل إم ("احلقي شعرك من أجل حملة حياة السود مهمة" بالعربية) موقعي تويتر وإنستاغرام. وتتمثل الفكرة في أن تقوم النساء، خصوصا من البيض، بحلق شعرهن تضامنا مع حملة "حياة السود مهمة ". بما يجعلهن يشعرن بالذنب لأن شعرهن ناعم "لا يوجد إلا لدى صاحبة البشرة البيضاء" كحركة تضامنية مع النساء من البشرة السوداء" هذا ما نقرؤه في هذه الرسالة التي نشرت في الرابع من يونيو/حزيران من قبل مستخدم مجهول الهوية على منتدى 4 شان يرفع علم فرسان المعبد، و هو شعار مرتبط باليمين المتطرف.

ومنذ ذلك الحين، تم استخدام وسم #غو بالد فور بي إل إم أكثر من 25 ألف مرة على تويتر.

صور جلبت من مواقع مختلفة على شبكة الإنترنت

وأُرفقت هذه الرسالة بصورة شابة لديها وشام وتحمل آلة حلاقة في يدها. وفي نفس اليوم، تم نشر هذه الصورة على حساب مزيف على تويتر.
يقول النص المصاحب للصورة : "سينمو شعركن من جديد، أظهرن دعمكن وتضامنكن من خلال حلق شعركن!".

ومن خلال بحث على عكسي عن الصورة (انقر هنا للتعرف على كيفية القيام بذلك) تتكرر هذه الصورة بشكل كبير على المدونات خلال سنة 2017، أي قبل فترة طويلة من مقتل جورج فلويد.
"من خلال حلق شعري كحركة احتجاجية، أشعر بارتياح"، هذا ما نقرؤه على هذه التغريدة على تويتر، التي نشرت مرة أخرى على حساب مزيف يتابع بالأساس حسابات شخصيات ووسائل إعلام محافظة.

ويظهر هذا المونتاج لثلاث صور امرأة سمراء تحلق شعرها تم تداوله بشكل كبير، حيث تمت إعادة نشره أكثر من ألفين ومائة مرة. وبنفس الطريقة، تواترت هذه الصورة على شبكة الانترنت قبل بداية المظاهرات في يونيو/حزيران 2020.

"قمت بمجرد بحث عكسي عن الصورة، وهي تعود إلى سنة 2019 على الأقل: كل هذا العمل هو محاولة خلق تشويش على الشبكة الرقمية"، هذا ما يقوله الناشط جيرمي غاردنر.

في هذا التغريدة أعلاه، يُظهر الناشط جيرمي غاردنر تكرار هذه الصورة التي نشرت ويوم 18 مايو/أيار 2019 على منصة بينترست، وهو ما يؤكد وجود هذه الصورة على شبكة الإنترنت قبل هذا التاريخ كحد أدنى.

"لم أحلق شعري من أجل هرائكم. فقدت شعري أثناء علاج كيميائي"

وتم تزييف حقيقة صور أخرى لنساء بشعر محلوق لخلق اعتقاد بأن النساء وقعن في الفخ، خصوصا في هذا المنشور الذي تم تداوله أكثر من 400 مرة.


في الأعلى على اليمين، نرى تركيبا لصورة فتاة قبل وبعد حلق شعرها. ومرة أخرى، نجد هذه الصورة في منشورات قديمة على منصة التدوين تامبلر في سنة 2017.

في الأسفل على اليسار، نرى تجميعا لألبومي صور من نفس النوع.


ويظهر الألبوم الأول امرأة ذات شعر كستنائي ترتدي قميصا أسود. وعثر كثير من مستخدمي توتيرعلى النسخة الأصلية لهذه الصورة حيث تم نشرها على تطبيق إنستاغرام في مارس/آذار 2016.

يمكن أن نقرأ على مفتاح الصورة الأصلية: "انظروا ماذا فعلت صديقتي ميل اليوم. إنه تصرف رائع يُبيّن نكران الذات في حركة تضامنية للأستراليين المصابين بسرطان الدم. لقد نجحت في جمع 500 دولار."

وتُظهر مجموعة الصور الثانية امرأة شابة بمكياج ملون. هذه الصورة أحْدث من الأولى ولكن لا علاقة لها بحركة "حياة السود مهمة”. وتكشف الصورة عن لوسي سويني، وهي شابة مصابة بمرض يتسبب في تساقط كثيف للشعر. وهو ما تؤكده وسيلة الإعلام الأمريكية أي بي سي، حيث استغلت هذه المرأة فترة الحجر الشامل المرتبطة بمرض كوفيد-19 لحلق شعرها بالكامل.

وفي الأخير، تُظهر الصورة في الأسفل على اليمين تغريدة على توتير لحساب مزيف باسم "أشلي واتسون" يقول فيها: "أنا قبل وبعد (الحلاقة)، أرجوكم، أظهروا دعما لحركة حياة السود مهمة".


وكتبت ليزيث ليمون على حسابها عبر تويتر قائلة: "مرحبا بالجميع، هذه الصور لي. لم أحلق شعري من أجل هرائكم، بل فقدت شعري أثناء علاج كيميائي في 2018 وقد أعجبتني هذه التسريحة كثيرا لدجة أنني قررت الإبقاء عليها".

"لم أر أية امرأة انطلت عليها هذه الحيلة"

واهتمت مواقع إلكترونية مرتبطة باليمين الفرنسي المتطرف بهذه الظاهرة، مؤكدة أن كثيرا من النساء وقعن في الفخ: 'السيدات اليائسات من صاحبات البشرة البيضاء كنّ يأملن في جلب الانتباه، إذ قام عدد منهن بتحدي وسم "احلقي شعرك من أجل حملة حياة السود مهمة"، حسبما أكده موقع نوفال اوردر مونديال ("النظام العالمي الجديد" بالعربية ).

لكن، وبعد بحث متعمق على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعثر فريق تحرير مراقبون على أي مستخدم إنترنت وقع في الفخ الذي نصبته الرسائل المضللة على منصة 4 شان والمتمثلة في حلق الشعر تعاطفا مع حركة "حياة السود مهمة ".

وتوصلت ستيفاني لامي، الناشطة النسوية والمختصة في الحروب الإعلامية، إلى نفس النتيجة:

 
لاحظت تصاعد وسم "احلقي شعرك من أجل حملة حياة السود مهمة" في بعض الدوائر المتعصبة [فريق التحرير: حركة سياسية تنتمي لليمين المتطرف] بداية في النمسا، وسرعان ما استوعبت أن هذه التيار راج بشكل واسع في الولايات المتحدة قبل أن يصل إلى فرنسا. وتم تداول هذه الرسالة على عدة منصات لكن نشرها اقتصر على نفس النوع من الأشخاص: أي رجال بيض معادون للنسوية أو ذكور مقربون من اليمين المتطرف الذين أرادوا الترويج لصورة المرأة البيضاء "الخائنة" أو "المتواطئة" وذلك لأنهم يرتبطون بعلاقات عاطفية مع الرجال غير البيض. ودائما ما يطلقون على هذا النوع من النساء إسم "عاهرة الرجل الأسود".

لم أر أية امرأة انطلت عليها حيلة حملة التضامن المزيفة وأعتقد أن هؤلاء الذكوريين يتصورون أن الأمر سار على ما يرام.

الهدف الأكبر من هذه العملية هو التكتل مع بعضهم البعض للسخرية ونشر الكراهية الجماعية للنساء. كل هذا، وعلى المستوى الدولي، هو بمثابة هجوم معاكس على حركة "حياة السود مهمة"، وهي حركة نجحت في عبور الحدود وتعبئة الآلاف من الأشخاص في كل أنحاء العالم.

حررت هذا المقال ليزلوت ماس.