المراقبون


تحتل إيران المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر تضررا من وباء فيروس كورونا بعد الصين وإيطاليا. حيث حددت الأرقام الحكومية الصادرة في 11 مارس/آذار عدد الوفيات بسبب الكوفيد-19 إلى 354 شخصًا، بينما أصيب تسعة آلاف آخرين بالفيروس. لكن أفاد بعض المسؤولين في مختلف المقاطعات أن الأرقام أعلى بكثير، متحديين بذلك بصفة علنية أرقام وزارة الصحة. ووفقًا للعاملين في قطاع الصحة الذين سألتهم هيئة تحرير "مراقبون فرانس 24"  فإن التقارير الطبية المتعلقة بوفاة الأشخاص المصابين بالفيروس تتعلل بأسباب أخرى للوفاة.

كما حدث في الصين، ظهرت أولى علامات وباء فيروس كورونا في إيران على وسائل التواصل الاجتماعي. حيث أعلن أطباء في مدينة قُم عند منتصف فبراير/شباط زيادة في عدد المرضى الذين يعانون من مشاكل رئوية حادة.

إلا أن الحكومة الإيرانية نفت في البداية وصول الفيروس إلى البلاد. واستنكر بعض النشطاء المحافظين ما سمّوه "شائعات" حول هذا الموضوع، زاعمين أنها جزء من مؤامرة المعارضة لجعل الناس  يعدلون عن التصويت في 21 فبراير/شباط خلال الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية.


يظهر هذا الفيديو، الذي يتم تداوله على تويتر و تليغرام، ما لا يقل عن 56 جثة وضعت في أكياس في انتظار دفنها في أكبر مقبرة بمدينة قُم. ويقول الرجل الذي قام بتصوير الفيديو: "أنا موجود في مقبرة قم، واليوم هو 2 مارس/آذار. لقد مات كل هؤلاء الأشخاص من جراء فيروس كورونا. وتنتظر جثثهم أن يتم تغسيلها قبل الدفن.و هم كثيرون ". ثم يضيف في التوقيت47'0: " لقد مرت خمسة أو ستة أيام وهذه الجثث ما زالت في نفس هذه الغرفة، و لم تدفن بعد. إن الوضع هنا مروع ". و أعلنت السلطات يوم 5 مارس / آذار،  أنه تم اعتقال صاحب الفيديو.
     
ثم أعلنت وزارة الصحة في 19 فبراير/شباط ولأول مرة أن شخصين قد أصيبا بفيروس كوفيد-19 في مدينة قُم بإيران، قبل أن تذكر أنهما توفّيا في وقت لاحق من نفس اليوم. وارتفع في ما بعد عدد القتلى والمصابين بالفيروس بسرعة.

أرقام اعترض عليها سياسيون محليون

لكن سرعان ما بدأ بعض المسؤولين المحَلّيين يتساءلون حول الأرقام التي تقدمها الحكومة.

فصرحغلام‌ علی جعفر زاده ایمان‌ آبادی في 28 فبراير/شباط وهو عضو في البرلمان من رشت (عاصمة محافظة جيلان في الشمال الغربي) أن عدد ضحايا فيروس كورونا ممن تم دفنهم في ثلاث من مقابر المدينة "أكثر بكثير مما تم الإبلاغ عنه" مضيفا أن" الإحصائيات التي قُدمت إلى حد الآن ليست صحيحة" وأن "المقابر لا تكذب".

ثم أتت في 9 مارس / آذار شهادة علی‌اکبر مرتضایی و هو حاكم منطقة كاشان في محافظة أصفهان (في الوسط) قائلا أن عدد ضحايا كوفيد-19 بلغ منذ بداية الوباء 1056 مصابا و88 قتيلًا في مدينة كاشان (حيث يعيش حوالي أربع مئة ألف نسمة) وفي إحدى ضواحيها. بينما لم تعلن الأرقام الرسمية إلا عن 601 حالة إصابة وعن حالتي وفاة في جميع أنحاء المحافظة التي يسكنها خمسة ملايين شخص.

من ناحيته وجه فرهاد زاهد، نائب رئيس المجلس البلدي في رشت، سؤالا للحكومة يوم 10 مارس/ آذار قائلا: "لماذا تخفون الحقيقة؟ لتجنب هلع السكان؟ لا، يجب إخبار الناس بما يحدث حقًا، حتى يأخذوا الأمور على محمل الجد ".
 
تظهر هذه الصورة التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في 10 فبراير/شباط، عاملين صحيين في رشت
يعدان جثث ضحايا الكوفيد-19 قبل دفنها. 

كما أصيب ما لا يقل عن 23 نائب بالفيروس -و يمثلون 8٪ من جملة النواب الإيرانيين - مما أثار تساؤلات أيضاً حول نسبة المصابين الفعلية من بين عموم السكان.

ولقد أجرى طاقم تحرير "مراقبون فرانس 24" أحاديث مع العديد من الإيرانيين العاملين في القطاع الصحي، فطلب جميعهم عدم الكشف عن هويتهم لأنه تم منع العاملين الطبيين المحليين من التحدث إلى وسائل الإعلام بشأن وباء كوفيد-19. و يعارضون هم الآخرون الأرقام المصرح بها من قبل الحكومة.

" تخفي المستشفيات وفيات جراء كوفيد-19 بتقديم تقارير كاذبة "


ميلودي (اسم مستعار) طبيبة تعمل في القسم الاستعجالي من مستشفى مدينة تقع على بعد 200 كيلومتر شرق طهران. وقد تم الإعلان رسميا يوم 10 مارس/آذار على وفاة أربعة أشخاص من جراء وباء كوفيد-19 في هذه المدينة. لكن ميلودي تقول إن حصيلة القتلى أعلى بكثير.
 
كان علينا أن ننتظر حتى يوم 2 مارس/آذار لكي تعلن الحكومة أخيرا عن أول حالة وفاة في مدينتنا. بينما علمنا في منتصف فبراير/شباط أن هناك وفيات بين المرضى بفيروس كورونا في المدينة. ثم توفي على الأقل ثمانية أشخاص خلال الأسبوعين الماضيين في هذا المستشفى وحده.

إن المستشفيات تخفي الوفيات الناتجة عن الإصابة بهذا الوباء. إنها تكذب في تقاريرها. في المستشفى الذي أعمل فيه أعلمنا المسؤولون أنه يجب علينا إعلان "التهاب رئوي" أو " مرض السل" أو حتى "سكتة قلبية" لما تتعلق الوفاة بفيروس كورونا.

في مدينتنا المستشفيات مليئة بمرضى يشتبه في إصابتهم بـكوفيد-19 و بغيرهم ممن تأكدت حالتهم، لكن بحسب التقارير الرسمية كل شيء على ما يرام هنا.

" لا يستطيع الأطباء أن يكتبوا كوفيد-19 في تقاريرهم حتى لو كانوا متأكدين أنه سبب الوفاة "

يشرح هنا مسؤول في مجلس أطباء جمهورية إيران الإسلامية كيفية صياغة تقرير عن وفاة بسبب فيروس كورونا في المستشفيات الإيرانية:
 
بعد كل وفاة مريض في إيران، يتعين على الطبيب الذي عالجه كتابة تقرير. لكن وزارة الصحة طلبت من المستشفيات عدم ذكر كوفيد-19 في التقارير إلا إذا كان اختبار أعراض المرض إيجابيا. علما وأنه يوجد نقص كبير في هذه الاختبارات في المستشفيات الإيرانية. فإذا لم يتمكن مستشفى من إجراء الفحص الخاص بكوفيد-19 واكتفى بفحص المصاب بالماسح الضوئي، لا يقدر الطبيب ذكر فيروس كورونا في تقريره.

من الناحية الفنية لا يكذب الأطباء في تقاريرهم، لكن تبقى تلك التقارير منقوصة. أي أنهم يشيرون على سبيل المثال إلى أن أسباب الوفاة "متلازمة الضائقة التنفسية الحادة" أو "انسداد رئوي" أو "التهاب رئوي". لكن ما الذي سبب متلازمة الضائقة التنفسية الحادة أو الانسداد الرئوي؟ كوفيد-19. لكن لا يمكنهم كتابة كوفيد-19 في تقاريرهم حتى لو كانوا متأكدين أنه سبب الوفاة بعد التمعن في الأعراض.

تقوم المستشفيات في ما بعد بإرسال تقاريرها إلى وزارة الصحة وهي المؤسسة الوحيدة التي تتحكم في الأرقام على الصعيد الوطني. هذا هو السبب في أن عدد القتلى الرسمي من جراء كوفيد-19 أقل بكثير مما هو عليه في الواقع.


تزعم هذه الوثيقة التي تم تداولها على الشبكات الاجتماعية منذ يوم 5 مارس/آذار أنها تقدم تقريرا عن وفاة حامد جلالي،
 وهو مناضل محافظ من قم توفي في 28 فبراير/شباط. يقول التقرير أن الجلالي مات بسبب متلازمة الضائقة التنفسية الحادة. لكن أحد أصدقائه أكد أنه كان مصابا بفيروس كورونا.

وقد أكد رسميون إيرانيون أن أطبائهم يستعملون حاليا اختبارات كوفيد-19 قدمها لهم كل من الصين وروسيا ومنظمة الصحة العالمية و اليونيسف، وأن اختبارات صنعت في إيران ستكون متوفرة بداية من يوم 20 مارس/ آذار.

ومن ناحيته صرح النائب غلام على جعفر زاده إيمان عبادي يوم 7 مارس/ آذار أنه لم يكن يوجد اختبارات لفحص أعراض كوفيد-19 في مدينة رشت.

"لم يكن لدى المستشفى اختبارات لفحص الأعراض"

لقد فقد واريش (اسم مستعار) اثنين من أفراد عائلته في مدينة من محافظة جيلان. و أخبره الأطباء أنهما توفيا من جراء فيروس كورونا.
 
عندما مرض شخصان من عائلتي ذهبنا إلى المستشفى. و بعد أربعة أيام، أخبرنا الأطباء أنهما أصيبا بفيروس كورونا. لم يكن لدى المستشفى اختبارات فحص، ولكن تم التشخيص على أساس نتائج الماسح الضوئي [يسمح الماسح بالتصوير المقطعي المحوسب، وهي الطريقة الرئيسية لتشخيص مرض فيروس كورونا - ملاحظة من هيئة التحرير].

بعد وفاة أفراد عائلتي لم يسمح لنا بحضور مراسم الدفن لأسباب أمنية. تم تسليم الجثتين إلى الحرس الثوري و ممثلين عن الصحة العمومية. كل ما نعرفه هو أنهم حفروا حفرة بعمق ثلاثة أمتار ووضعوا كتلا مستطيلة من الاسمنت لفصل الجثث، لكنه يبقى قبرا جماعيا.


تظهر هذه الصورة التي يتم تداولها في إيران على تليغرام قبرا حفر لضحايا  فيروس كورونا في منطقة لنجرود في مقاطعة جيلان. ويقول واريش أن أفراد أسرته الذين ماتوا من فيروس كورونا دفنوا في قبور مماثلة.  

" لقد قمنا بدفن أكثر من عشر ضحايا لفيروس كورونا"

اتصلت هيئة تحرير "مراقبون فرانس 24" بمدير الصحة العمومية في إحدى مقاطعات محافظة جيلان، فصرح لها أن منطقته و التي تعد حوالي ثمانين ألف ساكن  شهدت على الأقل عشر حالات وفاة مرتبطة بكوفيد-19.
 
هناك قواعد صارمة في ما يتعلق بدفن الأشخاص الذين كانوا مصابين بأمراض معدية. فمن المفترض أن نستخدم وسائل حماية خاصة، لكنها ليست متوفرة لدينا. لذا يقوم العاملين هنا بدفن الجثث مستخدمين فقط أقنعة جراحية عادية وقفازات من اللاتكس.

إن كل عملية دفن تقتضي جهدا شاقا بالنسبة للفرق المكلفة بذلك، لأن السكان هنا لا يريدون دفن الجثث في مقبرة مدينتهم أو بالقرب من منازلهم، فهم يسببون كثيرا من المشاكل في كل مرة.

لقد طلبنا من السلطات أن تأمر الناس بلزوم منازلهم و بإغلاق محلات التجارة غير الضرورية، لكنها لم تهتم بالأمر. كل ما تفعله السلطات هو أنها تبث نصائح غبية على محطات التلفزيون المحلية. من بين هذه النصائح مثلا، كيفية صنع أقنعة من القماش، بينما هذا في الواقع شيء غير ضروري بالمرة.

وحسب الحكومة الإيرانية فلقد توفي إلى حد الآن واحد وعشرون طبيب وممرض إيراني بسبب فيروس كورونا، من بينهم أحد عشر من مقاطعة جيلان.

حرر هذا المقال ارشاد عليجاني.