نُشرتمقاطع فيديو في منتصف شهر فبراير/شباط، نرى رجلا ملفوفًا في غشاء من البلاستيك داخل طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية التركية. وقد تم تداول هذه الصورعلى نطاق واسع وأثارت موجة من الغضب في الكاميرون، وهو بلد الرجل. تحصّل فريق تحرير مراقبون فرانس 24 على شهادة هذا الرجل الذي يدين المعاملة العنيفة والمهينة التي تلقاها من موظفي هذه الشركة والسّلطات التركية.

تمكّن فريق تحرير مراقبون فرانس 24 من التعرف على أربعة مقاطع فيديو تعرض حادثة وقعت خلال الرحلة رقم TK667بين إسطنبول وياوندي ليلة 28 يناير/كانون الثاني 2020.

يُظهر هذا الفيديو الأول بداية احتجاج الراكب على ترحيله. وقد صوّرت المقطع رفيقة الراكب التي كانت عن قرب منه. ونرى في نهاية الفيديو مضيفة من الخطوط الجوية التركية (يمكن التعرف عليها من زيّها) وهي تمنعها من مواصلة التصوير.

نشاهد في هذا الفيديو الثاني الرجال الثلاثة الذين يحيطون بالراكب وهم يشرعون في إزالة الغشاء البلاستيكي الذي يحيط بجذعه. وصوّرت المقطع رفيقة الراكب أيضا.

نُشر هذان المقطعان من الفيديو على فيس بوك يوم 28 يناير، بعد أن أرسلتهما مسافرة كانت على متن الرحلة إسطنبول - ياوندي، إلى الناشط الكاميروني دافيد إيبوتو (David Eboutou). نرى الراكب بعد أن نُزع عنه معظم غلافه البلاستيكي، والرجال الذين كانوا من حوله وهم يحاولون تحريره من الشريط اللاصق ومن الأصفاد التي تعرقل كاحليه.

إذا أمعنّا النظر في الفيديوهات، نرى بوضوح أن الرجل مكبل اليدين بشرائط سوداء من البلاستيك في مستوى المعصمين وأن أصفادا تعرقل رجليه عند الكاحلين. كما نلاحظ أن عدة طبقات من الغشاء البلاستيكي مشدودة بشريط لاصق عريض قد أضيفت فوق ملابسه.


يحمل أحد الرجال الثلاثة المحيطين بالراكب لفة من هذا النوع من الشريط اللاصق. كما نلاحظ قناعًا جراحيًا يتدلى من أذني الراكب. ربما كان يحمله على وجهه قبل أن يتمكن من الاحتجاج والتعبيرعن غضبه.



 

"قيل لي أن تأشيرتي كانت مزوّرة وتم إلقاء القبض عليّ"

عثر فريق مراقبون فرانس 24 على هذا الرجل. وهو إيمانويل فوسو سوميون شيدجو (Emmanuel Fosso Someon Chedjou) يبلغ من العمر47 عاماً و هو تاجر أحذية في دوالا بالكاميرون. وقد قدّم شيدجو لنا عدة مستندات لإثبات قيامه فعلا بهذه الرحلة، وطرده من مطار إسطنبول. كما تمكنت هيئة التحرير من مكالمة ستة ركاب كانوا إلى جانبه في مركز الاحتجاز بالمطار، وأدلوا جميعهم بشهادات تتفق مع ما رواه الرجل.
 

كنت أريد الذهاب إلى دبي مع رفيقتي لشراء مخزون من الأحذية وتوجهت إلى وكالة أسفار لإعداد كل اللازم. كانت تلك سفرتي الأولى، لكني أدركت بعد فوات الأوان أنني كنت ضحية احتيال.كانت الرحلة إلى دبي تمر عبر إسطنبول حيث تتوقف لفترة ثماني ساعات. كان ذلك بتاريخ 21 يناير/كانون الثاني.

في هذه الصورة التي تم التقاطها قبل المغادرة، نرى أن رحلة إيمانويل شيدجو ورفيقته إلى دبي كانت فعلا ستستمر من 21 إلى 29 يناير/كانون الثاني.

عندما وصلنا إلى إسطنبول بقيت رفيقتي في منطقة العبور وأردت أنا الخروج من المطار لقضاء بعض الحاجيات بما أنه كان أمامي وقت طويل قبل مواصلة الرحلة. لكن عند حاجز مراقبة الجوازات قيل لي إن تأشيرة العبور مزيفة وتم إلقاء القبض علي. ثم نقلوني إلى مكان يشبه مركز احتجاز حيث وجدت رفيقتي التي تم إيقافها هي الأخرى في الأثناء.

تصنّف هذه الوثيقة إيمانويل شيدجو كـ "مسافر غير مقبول" (INAD بلغة الطيران) لسبب "تأشيرة أو تصريح إقامة مزيف".

صورة التقطها إيمانويل شيدجو لنفسه داخل مطار إسطنبول الذي يمكن التعرف عليه من تزوييق سقفه، قبل قليل من إيقافه.
 
قاموا بمصادرة هاتفي وطلبوا مني التوقيع على أوراق لم أتمكن من قراءتها لأنها بالتركية. كما رفض الضباط الذين كانوا هناك تمكيني من التحدّث إلى محام.
لم أكن متأكداً من أولئك الضباط، لا أعرف إن كانوا من الشرطة أو رجال الدرك أو من الحراسة الخاصة. فهم لم يكونوا يرتدون زيّا رسميا.
حاولوا ترحيلي مرة أولى بعد يومين من وصولي، أي في 23 يناير/كانون الثاني. احتججت وأكّدت عزمي على مواصلة رحلتي إلى دبي فضربني الضباط. وعندما وصلت إلى سلم الطائرة احتججت مرة أخرى وصرخت، فخرج طاقم الخطوط الجوية التركية والطيار فورا ورفضوا قبولي على متن الطائرة. ثم طالبوا بأن تتولى مفوضية شؤون اللاجئين العناية بي.
لكن هذا لم يحدث.
 
"أخذوا لفائف غشاء البلاستيك التي تستخدم لتغليف الحقائب"
استمروا في ضربي وتهديدي لكي أقبل العودة إلى بلدي. عند الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم 28 يناير/كانون الثاني، جاؤوا يأخذوني لترحيلي على متن طائرة متجهة إلى ياوندي بالكاميرون. فقاومت محتجا من جديد، لكنهم وضعوني هذه المرة في قاعة خاصة.

داخل القاعة كان هناك أكثر من عشرة ضباط تعاونوا للسيطرة علي. بدأوا بربط قدميّ ومعصميّ بأشرطة من البلاستيك، ثم وضعوا لي أصفادا معدنية حقيقية، ووضعوا في فمي مناديل من الورق قبل أن يضعوا فوقه شريطا لاصقا.

أخيرًاأخذوا لفائف كبيرة من الغشاء البلاستيكي، من تلك التي تُستخدم في المطارات لتغليف الحقائب. أداروها حول جسمي مرات عديدة من الرقبة إلى القدمين حتى أصبح من المستحيل عليّ أن أتحرك، وبدأت أجد صعوبة في التنفس.
وضعني ثلاثة منهم على كرسي متحرك وأخذوني إلى طائرة كانت متجهة إلى ياوندي. وفي الداخل حملوني إلى مقعدي كما تُحمل البضاعة. عندما جلس جميع الركاب ولم يبق على موعد الإقلاع إلا حوالي خمسة عشر دقيقة، كنت قد تمكنت من إخراج المناديل المحشوة في فمي وصرت قادراً على الصراخ طلباً للنجدة.


لما أدرك الركاب وضعي تحركوا على الفور وطالبوا بنزع كل ذلك البلاستيك عني. كانت رفيقتي على متن الطائرة، وعندما رأتني في تلك الحالة بادرت بتصوير مقطعين من الفيديو لتحتفظ بأدلة عن الحادثة.

تمزقت ملابسي بينما كنت أصارع أعوان الشرطة فطلبت استعادة حقيبتي اليدوية لتغيير ثيابي. في جيب السروال جينز الممزق الذي تركته على مقعدي، كان يوجد مبلغ مالي قدره 2400 يورو، أخذته معي لأتسوق في دبي. لكن عندما أعطاني الضابط الجينز، كانت جيوبه فارغة. وقال لي: "إنك محظوظ ، سنقتلك".

"تركوني في بهو لمدة يومين دون أي شيء آكله"
 
بعد كل ذلك، أخذتني مضيفة من الخطوط الجوية التركية إلى خارج الطائرة التي مكثت رفيقتي داخلها وأقلعت إلى ياوندي. سألتني المضيفة لماذا كنت تحت الحراسة وقلت لها إنه من غير المقبول معاملة الناس بهذه الطريقة، مضيفا أنني مريض وبحاجة إلى معالجة. لكنّها تركتني في بهو المطار أمام مكتب الخطوط الجوية التركية بدون شيء. فاضطررت للتسول حتى آكل.

مرّ يومان على هذا النحو، ثم جاءني رجل قدّم نفسه على أنه مسؤول على موظفي الخطوط الجوية التركية وقال لي: "لا يمكننا معالجتك ولا يمكنك البقاء في تركيا، وأنت هنا لا يمكنك أن تغتسل، فعليك إذن أن تختار دولة نسفرك إليها، عليك أن تغادر". ثم أتى الضابط لأخذي مجددا إلى مركز الاحتجاز.


في إحدى الليالي، أخبرني أحد رجال الشرطة ممن لفوني بالبلاستيك وهو يحضر لي قهوة، أنهم قرروا تسفيري إلى أبوجا في نيجيريا. قلت له إن نيجيريا ليست بلدي وإنها بعيدة جدًا عن مسكني. أجابني أنها بجانب مسكني [تبعد أبوجا عن دوالا 800 كيلومتر، ملاحظة من فريق التحرير].

كنت حينها مرهقا حقًا، ولم أعد قادرا على التحمّل فاستسلمت. وأخذت بطاقة السفر على تلك الرحلة. وضعوا لي الأصفاد لما أخذوني من المطار إلى الطائرة. وهناك لما جلست في المقعد أزالوها وخرجوا.

بطاقة إقلاع إيمانويل شيدجو على متن الطائرة المتوجهة من إسطنبول إلى أبوجا.
"> "> "> "> "> ">وصلت إلى أبوجا خلال ليلة 30-31 يناير/كانون الثاني، وساعدتني سيدة تعرفت عليها على متن الطائرة في تنظيم رحلتي بالسيارة حتى منزلي. وصلت إلى المنزل يوم 4 فبراير/شباط [أي بعد أسبوعين من وصوله إلى تركيا، ملاحظة من فريق التحرير].لقد خسرت حوالي سبعة ملايين فرنك إفريقي، (10.590 يورو) بين وكالة الأسفار التي احتالت عليّ وما حدث لي في إسطنبول، [لم نستطع من التثبت من هذه الأرقام بشكل مستقل، ملاحظة من هيئة التحرير]. إنني لم أفقد رأسمالي فحسب في هذه التجربة الفاشلة، بل فقدت أيضا كل مصداقيتي بين أهلي وأصدقائي. لم يعد أحد يرغب في المتاجرة معي بعدها.
أريد أن يصل استنكاري لمعاملة الخطوط الجوية التركية والضباط الذين قاموا بإذلالي. أريد الآن تعويضا، وسأقدم شكوى إذا تمكنت من ذلك.
 
 

"كانوا يحجزون هواتف السود ولا يحجزوا هواتف البيض"

يدين إيمانويل شيدجو أيضا المعاملة العنصرية داخل مركز الاحتجاز حيث يتم احتجاز جميع الركاب الذين لم يتمكنوا من عبور حدود المطار. ووفقا لقوله يُحرم السود مباشرة من هواتفهم المحمولة ويُحتجزون في غرفة منفصلة.

وقد شاركه وجهة نظره راكب آخر احتُجز لمدة ستة أيام في نفس الفترة. وهو جوني مابايا، كونغولي ويبلغ من العمر عشرين عامًا.

 
أنا لا أتكلم الإنكليزية على عكس إيمانويل. لذلك كانت هناك مشكلة كبيرة في التحدث معهم سببت الكثير من التوتر. كانوا يقدمون لنا طعاما غير صالح للأكل ويضربوننا بانتظام. وكانت كل هواتف السود تُصادر، بينما يتركون للبيض هواتفهم. ثم كنا جميعنا محتجزين في قاعة منفصلة على الآخرين.

في اليوم الذي لفّوا فيه إيمانويل بالبلاستيك سمعنا صراخا كثيرا، ثم توقف فجأة. فهمنا حينها أنهم تمكنوا من إغلاق فمه. وبعد أيام قليلة جاء دوري، وحاولت الاحتجاج أيضًا، لكنني سرعان ما استسلمت خوفًا من أن يفعلوا لي نفس الشيء.

وقد أكدت لنا سيدتان، إحداهما كونغولية والأخرى كاميرونية، أن الأفارقة يعاملون بصفة مختلفة عن غيرهم. من ناحيته أكد لنا راكب أوكراني تم احتجازه لفترة قصيرة في نفس المكان أنه تمكن من الاحتفاظ بهاتفه المحمول وهو في مركز الاحتجاز.

ماذا يحدث في مطار إسطنبول؟

لا يمكن إلا لقلة قليلة من منظمات اللاجئين والمحامين المتخصصين في هذا المجال الوصول إلى مركز الاحتجاز في مطار إسطنبول. وقد علمنا بعد بحوث قمنا بها أن عدة محامين من المنظمة غير الحكومية "حقوق اللاجئين في تركيا" تمكنوا من زيارة المركز. لكن المنظمة رفضت طلبنا لإجراء مقابلة.

إن السلطة الإدارية للمطار هي المسؤولة عن هذا المكان، كما ينص القانون الخاص بالتزامات شركات النقل الجوي لـ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2015. لكن في الواقع هناك تقاسم للمسؤوليات، إذ تضمن شركة الطيران من ناحيتها عودة المسافر غير المقبول على الأراضي التركية إلى بلده في أسرع وقت ممكن. بينما تتكلف الشركة المديرة لشؤون المطار بأن يقضي المسافر فترة الانتظار في مكان مخصص لذلك وفي ظروف كريمة وآمنة.

لا يوجد أي نص في القانون التركي يحدّد أي من المكلف بمرافقة الركاب على متن الطائرات في حالة الترحيل، الشرطة أو وحدات الأمن الخاصة، أو ما هي الوسائل المتاحة لهم قانونيا ليتمكنوا من السيطرة على المسافر الذي يرفض الامتثال.

ويقول مسؤول سابق في الطيران المدني التركي إن شركات الطيران تستخدم خدمات أمن خاص لمواجهة هذا النوع من الحالات. لكننا لم نتمكن من التحقق من صحة قوله.

وقد صرّحت بيريل إركوبان منسقة الجمعية التركية للدفاع عن اللاجئين "مولتشي دير" إن صور عملية طرد إيمانويل شيدجو "مثيرة للاشمئزاز".

بغض النظر عن وضع الشخص، فإن هذه الممارسات غير مقبولة، ولا يمكن أن تكون قانونية. يجب على السلطات اتخاذ تدابير إدارية وقانونية ضد الأشخاص المسؤولين عن ذلك، وعدم التسامح مستقبلا مع هذا النوع من الممارسات في مناطق الحدود أو العبور.

تحديث في 24/ 02 /2020: إضافة إعلان المديرية العامة لإدارة الهجرة

أعلنت المديرية العامة لإدارة الهجرة (DGMM بالتركية) وهي فرع من وزارة الداخلية التركية، في 22 فبراير/شباط على تويتر، أنه " لا يمكن قبول مثل هذه الممارسات على الإطلاق". وأعلنت أنه "تم تكليف محققين اثنين" بإثبات الأحداث قبل" القيام بما يلزم تجاه المسؤولين ".

بيان المؤسسة: "لقد حاول الراكب المعني الدخول إلى بلدنا بوثيقة مزورة في 21 يناير/ كانون الثاني، ولم يتم السماح له بالدخول. وتعرض الأجنبي المعني لثلاث محاولات طرد في 21 و 22 و 27 يناير/كانون الثاني. لم يمكن طرده بسبب مقاومته ولأنه خلع ملابسه على متن الطائرة خلال المحاولة الأخيرة. ثم تم أخيرًا طرده يوم 30 يناير/ كانون الثاني في إجراء رابع".

واتصل فريق تحرير مراقبون فرانس 24 بالخطوط الجوية التركية للحصول على توضيحات بخصوص هذه الحادثة. لكن الشركة لم تجب على أسئلتنا. وسنقوم بنشر ردها حين يصلنا.