المراقبون

اعتمد كثير من متصفحي الانترنت على عديد مقاطع الفيديوهات التي تظهر أشخاصا آسيويين بصدد تناول حساء بلحم الخفافيش للقول بأنه المتسبب في الإصابة بفيروس كورنا. وتعبر هذا المزاعم على تصور عنصري مسبق عن الصين في حين أن هذا الفيديوهات لم تصور الصين.

تداول متصفحو الانترنت بكثرة 6 مقاطع فيديو يقولون إنها تظهر صينيين بصدد تناول لحم الخفافيش أو تبرز أنها تباع في أروقة أسواق ووهان، المدينة التي ظهر فيها فيروس كورونا. وبمان أن الخفافيش كانت من بين الحيوانات المشتبه بحملها للفيروس، فقد أكد كثير من مصفحي شبكة الانترنت أن هذا المقاطع المصورة تظهر التوقيت الذي بدأت فيه نشأة الفيروس.


  تدعي هذه التغريدةأن الخفافيش تعتبر جزءا من الخصائص الغذائية المحلية في هوباي المقاطعة التي تنتمي إليها ووهان

وأدت هذه الادعاءات إلى إطلاق موجة عالمية من التعليقات العنصرية ضد الصينيين والآسيويين بشكل عام.

ولكن حسب بحوث قمنا بها، فإن معظم هذه الفيديوهات صورت في بالاو وميكرونيسيا وإندونيسيا.

الفيديو الأول: صينية صاحبة تأثير على مواقع التواصل الاجتماعي بصدد الاستماع في جزيرة في المحيط الهادي سنة 2016


ويقول أحد متصحفي الانترنت في فيديو نشره على قناته على يوتيوب يوم 23 كانون الثاني / يناير الجاري وحصد 40000 ألف مشاهدة: "فيروس كورونا ينتشر في مدينة ووهان بسبب طبق حساء الخفافيش الشهير في الصين". وتظهر في الصور شابة تمسك خفاشا كاملا بين يديها ثم تقول بأكل قطعة منه على طاولة مطعم وبجانبها شابة أخرى.

وفي مواقع أخرى على الانترنت الصينية منها خصوصا، حصد هذا الفيديو مئات الآلاف من المشاهدات وتحته تعاليق مليئة بالكراهية. ويقول أحد المعلقين: "من الطبيعي أن يصابوا بفيروس كورونا. إنهم يأكلون كل شيء عدا الحجارة والخشب".


ويمكن أحد التفاصيل من التشكيك في أن الفيديو تم التقاطه في ووهان. حيث نشاهد في آخر الفيديو مقطعا قصيرا لنساء يرقون قرب دعامة كتب عليها "لايت هاوس بالاو"

وبالقيام ببحث عن هذه الكلمات المفاتيح على محرك بحث، يظهر لنا فندق في جزيرة بالاو التابعة لميكرونيسيا يحمل شعارا مشابها.



ويوم 22 كانون الثاني/ يناير، تحدثت الشابة التي تظهر في الفيديو على موقع ويبو، أكبر منصة تواصل اجتماعي في الصين، بخصوص تفاصيل تصويره. ويتعلق الأمر بوينغ مانغيون وهي مؤثرة صينية مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بتنشيط بشكل دوري في برامج سفر. وتعتذر مانغيون في تصريحها على إثارتها صدمة لدى بعض متصفحي الانترنت وعدم تنبيهها بأن أكل الخفافيش قد يحمل مخاطر صحية. ولكنها نددت بعملية فبركة حديثة باعتبار أن الصور تعود إلى رحلة إلى بالاو "التقطت في 2016 وتم نشرها ما بين سنتي 2016 و2017"

"وتقول مانغيون في رسالتها "تمت مؤخرا عملية فبركة للفيديو من قبل عدد من مستخدمي الانترنتصبوا الزيت على النار لنشر رعب في غير ملحه […] وخلال تصوير الفيديو، لم أكن أعلم أصلا بوجود الفيروس(...). كما أن الخفافيش التي ظهرت في الفيديو ليست برية بل وقع تربيتها من قبل السكان المحليين.".

ويقول مدير مطعم في بالاو إن الفيديو تم تصويره في مطعم يسمى سي سي تايو تعرف عليه من خلال تصميمه الداخلي.

وتم تداول تصريح وينغ مانغيون بشكل واسع في مؤسسات إعلامية دولية لكنه كانت مصدر لبس.  وظهرت مقالات عدة على مواقع مثل نيوز أستراليا و فورين بوليسي أو ذو صان نقلت الخبر ولكن مع الفيديو الخطأ (الموجود أسفله) الذي يظهر إمرأة صينية أخرى بصدد تذوق حساء الخفافيش.

الفيديو الثاني: على موقع دويين، تظهر طالبة في جامعة ووهان بصدد أكل خفاش

وفي فيديو نشر يوم 23 كانون الثاني/ يناير على الموقع الإخباري في هونغ كونغ آبل دايلي، تظهر شابة تم تصويرها وهي تتذوق لحم الخفاش على طاولة مطعم. ويتحدث الموقع عن إمكانية أن يكون الخفافيش هو مصدر ظهور فيروس كورونا حيث يقول المقال: "أكل الخفافيش في الصين ليس أمرا مألوفا في الصين، لكن ذلك لا ينطبق على سكان ووهان"

وانتشر الفيديو فيما بعد انتشار النار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي وتناقلته وسائل إعلام متعودة على الإثارة على غرار الدايلي مايل و روسيا اليوم مع عناوين تذكر بأن العلماء ربطوا بين فيروس كورونا القاتل والخفافيش. وقامت بعض وسائل الإعلام التي تعرف بجديتها على غرار موقع فايس بتداول نفس الفيديو مع عنوان: "حساء الخفافيش هو المسؤول عن فيروس كورنا" (تم تغييره فيما بعد)

ويعبر مستخدمو فايسبوك و انستاغرم عن اشمئزازهم مؤكدين أن بعض الصينيين يأكلون الخفافيش بشكل كبير.


وعلى أسفل يمين الفيديو، نلاحظ ظهور أشكال من شعار موقع التواصل الاجتماعي دويين مرفوقة باسم "77مادي777"



وتمكنا من العثور على حساب صاحبة الفيديو ("木タ木琪77 ") على موقع دويين ، التي تقدم نفسها على موقع التواصل الاجتماعي بأنها طالبة في جامعة ووهان، وعند زيارة صحفتها على الموقع يوم 28 كانون الثاني / يناير، كانت الشابة قد حذفت كل منشوراتها لكنها كتبت في ديباجة صفحتها الجملة التالية: "لا تثيروا القرف، الأمر يتعلق بمقاطع صورت الصيف الماضي" كما قامت بنشر نفس التنبيه على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي تويتاو مع نشر صورة مثبتة للفيديو.

على يسار الصورة تظهر صفحة الشابة على موقع دويين وعلى يمينها يظهر حسابها على موقع تويتاو

ولم يعد هناك مجال للتشكيك في صحة الفيديو الذي يظهر الشابة الصينية لكنها لم توضح مكان تصويره. كما أن قولها بأن الفيديو صور في فصل الصيف وارتدائها ملابس خفيفة يحيل إلى إمكانية أنها كانت في عطلة لكن دون ذكر مكانها.

ويتشابه الطبق الذي تقوم بتناوله بشكل كبير مع حساء الخفافيش، الطبق التقليدي في بالاو، الوجهة المفضلة للصينيين في العطل. ويتم تقديم الحيوان في حساء ساخن يتم شربه. وعند إتمام المرحلة الأولى، يقشر الحيوان بالاستعانة بالنادل. ومن المرجح أن الشابة صورت الفيديو ما بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية لتذوق الطبق التقليدي.

وقام فريق التحرير ببعث رسائل كثيرة للشابة بهدف معرفة مكان تصوير الفيديو دون الحصول على جواب إلى حد الآن.

الفيديو الثالث: صورة مقربة لحساء الخفافيش

وتداول رواد شبكات التواصل الاجتماعي بشكل كبير فيديو آخر يظهر حساء الخفافيش، كثيرا ما تم تركيبه مع الفيديو السابق. ونشر المحامي الصيني شين كيوشي المعروف بانتقاده للحكومة الصينية نفس الفيديو وحصد أربعة ملايين مشاهدة على حسابه على موقع تويتر وتناقلته وسائل إعلام كثيرة على غرار جريدة لو سوار البلجيكية.

وعرض فريق التحرير هذا الفيديو على مدير مطعم في جزيرة بالاو من منطلق أن الحساء الظاهر في الفيديو يتشابه بشكل كبير مع حساء الخفافيش الرائج تقليديا في الجزيرة.

وأكد لنا هذا المدير أن الطاولة الظاهرة في الفيديو تتبع لمطعم سيفود هاوس في بالاو. وعند كتابة "مطعم بالاو" باللغة الصينية على محرك البحث الصيني بايدو، تمكن فريق التحرير من تحديد عشرة صور تظهر أطباق محلية في بالاو بينها حساء الخفافيش وتتميز بنفس الخصائص: طاولة ذات شكل دائري، مع جزء مرتفع في وسطها بغطاء أبيض وذات أطراف سوداء.




وعند اتصال فريق التحرير به، لم يرغب مدير المطعم في تأكيد أو نفي أن الفيديو صور في مطعمه. 

الفيديو الرابع: رجل يصور مشهد تذوق في مطعم...في بالاو

مقطع فيديو مأخوذ من موقع ويبو نشر يوم 26 كانون الثاني/ يناير 2020

ويظهر فيديو آخر يزعم مروجوه أنه يتعلق باستهلاك لحم الخفافيش في سوق ووهان وتم تداوله بشكل كبير على موقع ويبو، أكبر منصة تواصل اجتماعي في الصين. ويقول متصفح انترنت في تعليقه على الفيديو الذي قام بنشره وحصد 80 ألف مشاهدة: "في سوق هوانان لغلال البحر (في مدينة ووهان، فريق التحرير)، كانت هناك خفافيش كثيرة حاملة للفيروس معدة للأكل"

وفي هذا الفيديو يظهر رجل وهو جالس على طاولة مطعم ولا شيء يشير أن الأمر يتلق بسوق. ويقوم الرجل بتقطيع الخفاش قبل أكله. ويقوم بتفسير المشهد قائلا إن طعمه يشبه لحم البط.

.
 
 
"على حساب @coronavirusdaily في موقع إنستاغرام، نقرأ تحت هذا الفيديو الذي حصد 7000 مشاهدة "مطعم خفافيش، ولحم خفافيش في الصين".
 

ونظرا لوجود عناصر تزويق في الصور، يبدو أن هذا الفيديو أيضا صور في بالاو. ومن خلال القيام ببحث بالصينية للكلمات المفاتيح "بالاو مطعم خفافيش" على محرك البحث الصيني بايدو، نجد عدة صور منشورة في مدونات مسافرين صينيين زاروا بالاو.

وعلى كثير من الصور، يمكننا أن نرى بسهولة الطاولة والأطباق ولون الأرضية والزينة الحائطية كانت ظاهرة في فيديو الرجل الجالس على الطاولة.

.
على اليسار، صورتان مثبتتان من مقطع الفيديو وعلى اليمين صورتان مأخوذتان من مدونة سفر إلى بالاو. نلاحظ بأن لون الأرضية هو نفسه كما تبدو عدة عناصر ديكور متشابهة جدا.
 

الفيديو الخامس: زوجان من الفيليبين في ووهان؟ لا، الأمر يتعلق بأصحاب قناة على موقع يوتيوب

وفي فيديو آخر تم تداوله بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر رجل وإمرأة يتحدثون التغالوغ اللغة المحلية في الفيليبين بصدد تناول خفاش مع تعاليق مثل: "فليبينيون يتناولون حساء الخفافيش في ووهان ومن المحتمل أنهم العدوى انتقلت إليهم"


وحصدت عديد الصفحات الفليبينية مئات الآلاف من المشاهدات من خلال تداول الفيديو دون أن تردد في إثارة موجة سخرية عنصرية ضد الصينيين والفليبينيين.

ومن خلال البحث العكسي عن الصورة ، نجد نسخا كثيرة لهذا الفيديو أهمها في قناة اليوتيوب التي نشر عليها أول مرة. وكان عنوان المقطع واضحا: "حساء الخفافيش، الحساء التقليدي في بالاو". وتم تصوير المقطع في تموز / يوليو من قبل زوجين فليبينيين نشرا فيما بعد فيديو جديد للاعتذار على التقاطهما "صور صادمة".

الفيديو السادس: رواق "الخفافيش" في سوق وهان؟ بل سوق في إندونيسيا

ويظهر هذا الفيديو الأخير سوقا يتم فيه تقطيع لحم الخفافيش. ويقول حساب على موقع إنستاغرام يحمل إسم @coronavirusdaily إن الفيديو تم تصويره في سوق ووهان. وحصد الفيديو 10 آلاف مشاهدة على موقع تويتر.



ومن خلال القيام بعملية بحث عكسي على موقع يانداكس، نجد فيديوهات مشابهة كلها صورت في إندونيسيا. ومن خلال إدخال الكلمات المفاتيح "أندونيسيا خفافيش" بالإنكليزية على موقع يوتيوب، نجد الفيديو الأصلي الذي نشرته قناة اليوتيوب الشهيرة ترافل ثيرستي.


نشر هذا الفيديو في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 والتطقت هذا الصور في سوق في مدينة مانادو الإندونيسية.

أكل لحم الخفافيش "أمر مرفوض بشدة" في الصين

على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتقد كثير من الناس عند رؤية هذه الصور أن الصينيين معتادون على استهلاك لحم الخفافيش المعروف بنقله عدة أمراض وفيروسات. وفي بعض وسائل الإعلام، تم اعتبار الخفافيش كـ"طبق مرغوب لدى عدد من المستهلكين بسبب لحومها" في الصين.

ولكن بالنسبة لعدد من المختص في الثقافة الغذائية الصينية تحدث إليهم فريق التحرير، فإن هذا الممارسة غير موجودة في الصين.

وكان رد مدير قسم التغذية في جامعة بيكين غوان شينغما واضحا:

حسب بحوثنا، فإن استهلاك هذه اللحوم أكثر من نادر، فتناول الخفافيش أمرا غير مقبول في الثقافة الصينية.

وردد مراقبنا لو هايتاو القاطن في بيكين وأصيل ووهان نفس الكلام:

سواء في ووهان أو في أي مكان الصين، لم أر أبدا لحم خفافيش يباع في الأسواق أو في المطاعم ولم أسمع قط بشخص أكل لحمه. وأكل لحمه أمر غير مقبول ومقزز بالنسبة إلي.

ولا يبتعد رأيهما كثيرا عن تعليق المختص في العادات والثقافات الغذائية الصينية ويليام شان تات شوين مؤلف كتاب، "من البط المشوي إلى البط مع الصلصة: حوارثقافي بين المطبخين الفرنسي والصيني" من طباعة "Epure".لكنه يضيف أن هناك استخداما طبيا نادرا للخفافيش:

الطب الصيني يستخدم مستخلصات لعلاج النظر والدوسنتاريا (الزحار) والإسهال والنزيف وذلك بعد خلطه بمكونات أخرى. وتستهلك في معظم الأحيان مع عصيدة الأرز أو مع الشراب. لا أحد من أصدقائي أو عائلتي يستهلك لحم الخفافيش. كما أنني لا أعرف شخصا تمت معالجته بمستخلصات الخفافيش. استهلاك لحم الخفافيش لم يذكر أبدا في الطب الصيني. كما أن هناك اختلافا ثقافيا بين فرنسا والصين بخصوص هذا الحيوان: فهو في الصين يعتبر رمزا للسعادة، ولا يوجد هناك اشمئزاز من خصائصه

طبق تقليدي في المحيط الهادي، حيث يتواجد السياح الصينيون بكثرة

ويتضح من خلال ما أكدناه، أن كثيرا من السياح الصينيين صوروا أنفسهم وهو بصدد أكل لحم هذا الحيوان في بالاو وميكرونيسيا. لكن شهادة مدير مطعم محلي هناك فإن معظم يشعر بالاشمئزاز عندما يقدم لهم الطبق على الطاولة:

لدينا كثير من الزوار الصينيين، لكنهم أبدوا اهتماما أكبر بغلال البحر. وعندما يقدم طبق حساء الخفافيش على الطاولة يشعر معظمهم بالقرف وقليلون فقط من تمكنوا من تناوله بهدوء.

 

ويعتبر مدير المطعم أن تناول هذا الحساء ليس خطيرا بما أنه طبق تقليدي في بالاو منذ مئات السنين من دون أن يظهر في أرضنا أية حالة إصابة بفيروس كورونا.

حررت هذا المقال ليزلوت ماس