المراقبون

يتظاهر فلسطينيون من الضفة الغربية منذ شهرين تقريبا مطالبين بسحب أول قانون للضمان الاجتماعي. كثيرون ينتقدونه لأنه يعطي، على ما يبدو، الأفضلية للأكثر ثراء، ولا يتعلق بالتأمين الصحي، كما أنه جاء،نسبيا، نتيجة اتفاق مع إسرائيل. ويبدو أن اعتماد القانون في 1 نوفمبر/تشرين الثاني قد زاد من حدة أزمة الثقة بين المواطنين والسلطة.

لم يعد المكان أمام مقر حكومة السلطة الفلسطينية في رام الله يخلو من المتظاهرين. إذ يأتي الآلاف للتعبير بصوت عال عن سخطهم على هذا القانون الذى بدأ يسري فى 1 نوفمبر/تشرين الثاني. لقد وضعته مؤسسة الضمان الاجتماعي التي تم إنشاؤها خصيصا لهذا الغرض. وهذا القانون لا يشمل التأمين الصحي وهو في الأساس صندوق معاشات للتقاعد والتأمين الخاص بالإنجاب والأمومة.

"يأتينا هذا القانون بدون أن نفهم كيف تمت صياغته"

أحمد مخلوف، 33 سنة، يعمل في شركة أدوية وشارك في المظاهرات
.

المتظاهرون هم أساسا عاملون في القطاع الخاص، لأن هذه الفئة هي وحدها في الوقت الحالي المعنية بهذا القانون. أما موظفو القطاع العام فيتْبعون لنظام آخر للتأمين الصحي الحكومي. إضافة إلى أن هذا القانون يفرق بين الموظفين من القطاع الخاص والعام، فهو أكثر ظلما لأنه ينص على أن المساهمات تكون إلزامية حتى سقف راتب يصل إلى 11600 شيكل [أي 2740 يورو]. أما فوق هذا السقف، فلا يخضع الموظف للاقتطاع الإلزامي. وهذا تدبير من الواضح أنه وضع لفائدة الأكثر ثراء.
 

لقد جاءنا هذا القانون بدون أن نفهم كيف تمت صياغته. فنحن ليس عندنا مجلس تشريعي منذ عام 2007 [هيئة التحرير: جرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، فازت فيها حماس، وتلاها نزاع مسلح بين حماس وفتح ومنذ ذلك الوقت تم تعليق عمل المجلس وسيطرت فتح على الضفة الغربية بينما سيطرت حماس على قطاع غزة]. وليس هناك شفافية حول اختيار اللجنة التي صاغت القانون.

أنا أحتج على مبلغ المساهمات الإلزامية، 7,5% من الموظف و 8,5% من رب العمل. والحال أن الوضع الاقتصادي عصيب جدا هنا. بالإضافة إلى ذلك، ليس عندنا أي ضمانة بأن أموالنا ستدخل فعليا في صندوق معاشات التقاعد، وستعاد إلينا في عمر الستين. الفساد مستشرٍ بشكل كبير لدرجة أننا نشعر بأن الحكومة تأخذ من جيوبنا لتملأ جيوبها هي. وهناك أمثلة كثيرة عن مسؤولين سياسيين فروا من البلاد بعد أن اختلسوا المال العام.


"أنا وزوجتي نفكر تقريبا في الطلاق عند سن 59 عاما لكي يحصل كل منا على معاش!"
 

لنأخذ مثلا حالة اثنين من الموظفين بالقطاع الخاص، كما هو حالي أنا وزوجتي. من المفترض أن يساهم كل منا حتى 60 عاما. ولكن عندما سنتقاعد، فإن القانون ينص على أنه لن نتقاضى سوى معاش تقاعد واحد لكلينا، وستكون الزوجة حتما وبشكل منهجي منضوية تحت حساب زوجها، حتى لو كانت تتقاضى راتبا أعلى من راتبه! فكل المساهمات التي قدمتها طيلة سنوات ستؤول إلى هذا الصندوق. ولا عجب في ذلك طالما اللجنة مكونة في غالبيتها من الرجال... أنا وزوجتي نفكر تقريبا في الطلاق عند سن 59 عاما لكي يحصل كل منا على معاش!

ترفض الحكومة إجراء استفتاء حول هذا القانون لأنها، في رأيي، تعرف أنها غير شعبية وأنها لم تعتمده لمصلحة الشعب بل لمصلحتها هي. صحيح أن هذه المظاهرات خرجت ضد قانون الضمان الاجتماعي، لكنها تشهد أكثر على أننا لا نثق في حكومتنا، وذلك منذ اتفاقات أوسلو [هيئة التحرير: وقعت عام 1993 بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية وشكلت نهاية الانتفاضة الأولى.].

كون هذا القانون لا يخص سوى القطاع الخاص فهو محل انتقاد كبير من المحتجين، ولكنه ناتج، ضمن أمور أخرى، عن المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في الواقع، منذ عام 1970 وآلاف العمال الفلسطينيين يجتازون المعابر كي يذهبوا إلى العمل في الورشات الإسرائيلية حيث يعملون ويدفعون مساهماتهم. لكن بعد عدة مفاوضات بين وزراء العمل والمسؤولين النقابيين عن كلا الجانبين، اتفق الإسرائيليون والفلسطينيون على تقدير ما يجب أن يسدده الإسرائيليون للفلسطينيين.وكان الشرط لتحويل هذا المال هو أن يتم ذلك نحو صندوق غير حكومي، وهذا تحديدا ما ينص عليه القانون الجديد.

وإذا طلب معظم المتظاهرين ببساطة سحب قانون الضمان الاجتماعي، فإن المنتقدين الآخرين، مثل الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية، يطالبون بتعديله، بحجة أن الضمان الاجتماعي ضروري لكن المشكلة تكمن في طريقة تطبيقه.

هذا القانون منبثق عن منطق لا يأخذ في الاعتبار إطلاقا واقع الوضع الفلسطيني"

ومن بين هذه الأصوات، نجد جبريل محمد، وهو أكاديمي وعضو مركز بيسان للأبحاث والتطوير، وهي منظمة للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية:
 

الإطار القانوني لتغطية الضمان الاجتماعي أمر مطروح للنقاش في فلسطين منذ عام 2003. آنذاك، كان ما يزال عندنا برلمان أقر هذا القانون الذي وافق عليه ساعتها الرئيس. لكن البنك الدولي رفض أن يطبق بسبب عدم كفاية الموارد المالية لوضع نظام حكومي لتغطية الضمان الاجتماعي. في السنة التالية، كانت فكرة وضع نظام إدارة يعتمد على المنطق الخاص قد بدأت تأخذ مجراها.
 

كما أن تشكيل اللجنة الإدارية يطرح مشكلة لأنه كان من المفترض أن تكون لجنة ثلاثية الأطراف، تتشكل من ممثلين عن الحكومة وممثلي النقابات والقطاع الخاص. إلا أن الحكومة اختارت من القطاعين الآخرين الأعضاء المقربين منها، ومأمون أبو شهلا نفسه يشغل في الوقت نفسه منصب وزير العمل ومنصب رئيس اللجنة الإدارية لقانون الضمان الاجتماعي وعضو اللجنة الإدارية لبنك فلسطين، الحافظ الأمين للضمان الاجتماعي. وهذا تضارب مصالح واضح!
 

نحن بحاجة إلى نظام تغطية اجتماعية، لكن االنظام المزمع عليه لم يكتمل. فالقانون لا يشمل التأمين الصحي، ويقتصر على تغطية معاشات التقاعد وتأمين الإنجاب والأمومة. وكذلك هو لا يتكفل بالعاطلين عن العمل، في الوقت الذي تبلغ نسبة البطالة في فلسطين 27%.
 

علاوة على ذلك، فهذا القانون لن يُطبق على جميع العاملين في القطاع الخاص، بل فقط على من يعتبرون عمال منتظمين، أي أولئك الذين يعملون 16 يوما على الأقل في الشهر. فالدفع لن يفرض سوى على الموظفين العاديين والقانونيين في القطاع الخاص، في الوقت الذي يعتمد قطاع الخدمات -الذي يمثل 70% من الاقتصاد الفلسطيني- جزئيا على اقتصاد غير رسمي.

 

"عندما تكون نسبة الفقر في البلد 45% فمن الطبيعي أن يرفض الناس دفع المزيد
"

وتثبت شروط دفع المساهمات إلى أي حد لا يستوعب المسؤولون عن إدارة البلد الواقع الاقتصادي للمجتمع. فقد تم تحديد سقف المساهمات بمقدار تسعة أضعاف الحد الأدنى للأجور البالغ 1450 شيكل [أي نحو 340 يورو]. غير أن هذا الحد الأدنى لا معنى له أصلا لأنه لا يمكن لأحد أن يعيش منه. وفي الواقع، فلسطين لديها أكبر فجوة في العالم بين دخل الأسرة وكلفة المعيشة. وفي بلد تخصص فيه وسطيا نسبة ​​36% من الدخل للمواد الغذائية وتبلغ فيه نسبة الفقر نحو 45%، فمن الطبيعي أن يرفض الناس دفع المزيد، حتى لو كان ذلك من أجل معاشات التقاعد.
 

ويظل هدف الحكومة في العمق ليس حماية المواطنين، بل جمع الأموال. وهذا القانون يندرج ضمن منطق جبائي من قبل حكومة لا تعيش سوى على الضرائب والمعونات الخارجية، في غياب أي إنتاج.

تبني هذا القانون يندرج ضمن توصيات البنك الدولي الذي يحث، منذ 2007، على دعم القطاع الخص في فلسطين، بحجة انعدام وجود اقتصاد يعتمد عليه. وقد سبق وانتقد البنك الدولي للجوئه لتحييد الاقتصاد الفلسطيني وعدم أخذ بعين الاعتبار واقع الاحتلال في تدارس الوضع الاقتصادي.



حررت المقال: سارة قريرة. ترجمة: عائشة علون