المراقبون

منظر مؤسف! مكب نفايات عشوائي على مد البصر.. وفي خضم هذا تأتي الحمير لتبحث عن الطعام وسط القمامة. هذا الفيديو صور في 20 آب/أغسطس بالقرب من بلدية المغير الواقعة في الصحراء حيث أحد أكبر الخزانات الطبيعية للمياه الجوفية العذبة في العالم. بين النقص في البنية التحتية والإهمال، فهذه النفايات تشوه المناظر الطبيعية الجزائرية.

"يقول عمار عجيلي الناشط البيئي الذي سافر إلى الجزائر للوقوف على فداحة وضع مكبات النفايات في بلده: "يا لها من كارثة!" ولقد أطلق عريضة عبر الإنترنت يدعو فيها السلطات إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لحماية البيئة.

فيديو صوره عمار عجيلي ونشره على حسابه عبر فيس بوك في 20 آب/أغسطس 2018.

صلاح الدين من سكان مدينة المغير في ولاية الواد بالجنوب الشرقي على أبواب الصحراء الجزائرية حيث صور عمار عجيلي تلك المشاهد. وفيما يلي شهادته على غياب التكفل بالنفايات:

"السلطات لا تبالي لأن هناك دائما مساحة كافية لتكديس النفايات"

طالما كان في جميع أنحاء الصحراء مكبات نفايات عشوائية على غرار مكبات نفايات بلدية المغير بدون مراقبة وبدون حتى جدار وقائي. وهي تقع على مسافة نحو 5 كيلومترات من المدينة والشاحنات التابعة لـلمجلس الشعبي البلدي [هيئة التحرير: وهو المجلس البلدي في الجزائر] تضع القمامة التي تجمعها من المدينة. وطيلة أكثر من عشرين عاما، كل مرة تنقل المشكلة من مكان إلى مكان: إذ دأبت السلطات البلدية على تغيير موقع مطمر النفايات بعد كل بضع سنوات، لأن المدينة تكبر ويجب إبعاد النفايات في كل مرة. وكلها حلول مؤقتة مستمرة منذ مدة.

لكن هذا لا يمنع حيوانات البدو الذين يعيشون في المنطقة المجاورة من الذهاب إلى هناك. أظن أن السلطات لا تبالي فالصحراء هنا وسيكون فيها دائما مساحة كافية لتكديس النفايات. ورئيس البلدية يكتفي بحرقها في المساء عدة مرات في الأسبوع.

"الحيوانات قد تموت إذا أكلت البلاستيك"

هذا الوضع ليس استثناء كما يقول عمار عجيلي. غير أن العواقب على البيئة وعلى الصحراء بشكل خاص تقلقه:

"أنا أزور مكبات النفايات منذ عام 2015. وقد زرت ثلاثة مكبات تقريبا في كل ولاية [هيئة التحرير: هناك 48 ولاية في الجزائر]. نادرا ما تتم معالجة النفايات، فهي تكب في مكان بعيد عن المدينة في قلب الطبيعة، وأحيانا حتى وسط الغابة، كما هو الحال في غابة الفلين إعكورن [بلدة في ولاية تيزي وزو]. وهي تحرق أيضا بانتظام، حالما تبدأ في التراكم بغرض الحد من حجمها. لذا فإن هذه النفايات، خاصة تلك المصنوعة من البلاستيك تتحول إلى جزيئات دقيقة تمتزج بالتربة وتسبب تلوثا يصل إلى المياه الجوفية. لكن إذا أخذنا على سبيل المثال مكب نفايات بلدية المغير، فهو يقع على جزء من المياه الجوفية في منطقة Albien، الذي يعد أحد أكبر احتياطي للمياه العذبة في العالم [هيئة التحرير: 70% من المياه الجوفية في الجنوب الشرقي من الجزائر، والباقي بين تونس وليبيا]. إنها كارثة حقيقية! ناهيك عن الحيوانات التي تتجول هنا وتموت عندما تأكل البلاستيك.

وقد دعتني وزارة البيئة منذ عامين بصفتي ناشطا بيئيا. فتحدثت مع الوزير ووصفت له حالة مكبات النفايات والوديان في البلد [هيئة التحرير: الاسم المستخدم للأنهار في شمال أفريقيا]، فوعدني بالتغيير. ومنذ ذلك الوقت عينت وزيرة بيئة جديدة وما زلنا ننتظر أن تتغير الأمور.

هذا الخلل بين الثروة البيئية وغياب الإمكانيات لمعالجة النفايات هو نتيجة التوسع الحضري في الصحراء بدافع من الدولة منذ السبعينيات. والنتيجة أن السكان تمركزوا بكثافة في عواصم الولايات التي أصبحت مدنا متضخمة، لكن تنقصها البنيات التحتية اللازمة. ويقول صلاح الدين "لا وجود لأي شيء من أجل معالجة النفايات هنا. الولايات الكبرى لديها مراكز لطمر النفايات أو إعادة تدويرها، لكن هنا في الصحراء لا شيء."  وهذا الوضع يوضحه بكلام لا يخلو من النسبية، كريم التيجاني، وهو ناشط بيئي آخر ومدير موقع Nouara Algérie (نوارة الجزائر) الذي يتابع عن قرب المستجدات البيئية في البلد.

"إنها مشكلة إدارة وعقلية في نفس الوقت"

من الخطأ القول بعدم وجود أي سياسة لمعالجة النفايات في الجزائر، فهناك وكالة النفايات الوطنية [هيئة التحرير: تأسست عام 2002]. لكن لا شك أن السياسة التي وضعت غير كافية. ولكن يجب علينا أيضا أن ندرك العادات الاستهلاكية الجديدة التي أدخلت إلى الجزائر، إذ صرنا نستخدم المنتجات ذات الاستخدام الواحد التي ترمى مثل الأغلفة والأكياس البلاستيكية، وذلك لمدة عشرين عاما على أقصى تقدير. أما إدارة النفايات التي تترافق مع كل هذا التغيير فهي في طور التأسيس، وكذلك الحال بالنسبة لتغيير السلوك. في أوروبا مثلا، حيث تم إدخال البلاستيك القابل للرمي منذ ستينيات القرن العشرين، ومضى وقت قبل أن يدرك الأوروبيون ضرورة الفرز الانتقائي.

توجد بالفعل مراكز طمر تقنية في البلد، ولكن مثل العديد من المجالات الأخرى، فغالبا ما تكون البنية التحتية عاجزة عن الاستيعاب. ويعزى عجز الاستيعاب في هذه المراكز إلى عدة أمور من بينها أنها تستخدم بشكل منهجي لجميع النفايات، ولا تقتصر على تلك التي لا يمكن معالجتها أو إعادة تدويرها، كما ينبغي أن يكون. إننا نعيد تدوير نحو 7% فقط من القمامة [هيئة التحرير: 10% في أحسن الأحوال]. ومع ذلك، فإن أكثر من نصف النفايات في الجزائر عضوية، ويجب التشجيع أكثر على تحويلها إلى سماد.

عدم استيعاب المطامر أدى إلى العمل بشكل غير متقن: بالنظر إلى كمية النفايات المتراكمة بسبب عدم وجود مراكز كافية، فلن نضمن بعد الآن وضع عازل يعزل هذه النفايات عن التربة ويضمن عدم تلوثها. ويساهم أيضا تراكم النفايات في تجمع بعض الكائنات الحية البرية والإخلال بسلوك الحيوانات.

"هذا هو تحدي القرن المطروح (...) ليس أمام الجزائر فقط"

ساهم تغير نمط الحياة والتوسع الحضري في اختلال التوازن بين حجم السكان ونقص البنية التحتية، خاصة مع الهجرة الجماعية التي حدثت خلال "العشرية السوداء" [هيئة التحرير: الحرب الأهلية الجزائرية  1991-2002 ] إذ صارت قرى بكاملها خالية من سكانها الذين رحلوا بكثافة إلى المدن.

أما بالنسبة للصحراء، فمن المؤكد أنه لا يسع المرء سوى الاندهاش من حجم الإهمال، خصوصا عندما نعرف علاقة أهل الصحراء بالطبيعة. ولكن هنا أيضا، يجد الناس أنفسهم عاجزين إزاء التوسع الحضري وتغيير نمط الحياة. فهم لا يعرفون لحد الآن كيفية التعامل مع هذه النفايات، ناهيك عن السياحة في الصحراء التي عادت لتزدهر بقوة في السنوات الأخيرة.

ومع ذلك ، نلاحظ وجود بعض الوعي. شيئا فشيئا تطلق حملات تشجع الناس على تنظيف الأماكن العامة والحرص على عدم رمي النفايات البلاستيكية في كل مكان. وبدأنا تدريجيا في إدراج فكرة إعادة التدوير والفرز الانتقائي.

المشكلة الرئيسية هي أن وقت إدارة النفايات أطول من وقت الاستهلاك. وهذا هو تحدي هذا القرن المطروح أمام جميع البلدان، وليس أمام الجزائر فقط. يجب أن يستعيد الناس تبني الأماكن العامة وأن تتغير السياسات. أنا أدرك صعوبة الوضع، لكنني أظل متفائلا.

ترجمة: عائشة علون