منذ منتصف شهر أغسطس/آب، راجت على مواقع التواصل الاجتماعي التركية صورة غريبة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، إذ يظهر فيها متكئا على عصا. وتقول التعليقات المصاحبة للصورة إنه قرر اعتزال السياسة ليصبح راعيا في الجبال الإيرانية. وهذه الصورة، إن باتت قليلة الأهمية، فهي تخفي هدفا سياسيا محددا.

نشرت هذه الصورة عدد من صفحات موقع فيس بوك مع هذا التعليق: "أحمدي نجاد يرعى الآن أغناما في قريته، خلافا لرجالنا السياسيين الذين يعيشون بمال المواطنين بعد تقاعدهم".

وقد نشر هذه الصورة على تويتر حساب يعد مليونين و200 ألف متابع وحساب على موقع أنستغرام يعد 1,6 مليون متابع، علاوة على عشر صفحات من موقع فيس بوك.

لماذا هو خبر مزيف؟

لكن خبر هذه الحياة الجديدة للرئيس الإيراني كاذب، فهو لا يسكن قرية بل في نرمك، وهو حي للطبقة الوسطى في الجزء الشرقي لطهران. وهو تحت حراسة دائمة من طرف فريق أمني تابع للحكومة.

كما أنه لا يعيش أبدا كالرعاة، بل عاد لعمله السابق كأستاذ في الجامعة الإيرانية للعلوم والتكنولوجيا بطهران، حيث حاز على دكتوراه في الهندسة المدنية واللوجستيات. وقد قام مصور بنشر صورة له على حسابه على موقع تويتر الرسمي في 28 أغسطس/آب، حيث يظهر أحمدي نجاد جالسا إلى مكتبه أمام جهازي كمبيوتر.

الصورة نشرت على حساب أحمدي نجاد الرسمي على موقع تويتر في 28 أغسطس/آب.

ثم إن الرئيس السابق لم يعتزل تماما الحياة السياسية، فهو أحد أفراد "مجلس تمييز المصلحة العليا للنظام"، وهو بمثابة مجلس دولة مهمته توجيه المرشد الأعلى علي خامنئي.

من أين جاءت هذه الصورة؟

هذه الصورة التي تداولها مستعملو الإنترنت الأتراك تعود في الحقيقة إلى 2016. وقد التقطت خلال رحلة إلى كندلوس، وهي قرية سياحية تقع في شمال إيران. وحسب صور أخرى وثقت هذه الزيارة، نرى أن أحمدي نجاد لم يكن وحيدا آنذاك، بل نراه في إحدى الصور رفقة صديق له من المنطقة، كما يظهر في صورة أخرى محاطا بحارسه الشخصي وبعض الأصدقاء.


التقطت الصورة في قرية كندلوس، في شمال إيران، بتاريخ 2 نوفمبر-كانون الثاني 2017. ويقف أحمدي نجاد هنا مع عبد الرضا شيخ الإسلامي، الذي كان وزير الشغل خلال فترة حكمه. ولا نرى أغناما في الصورة.

لماذا انتشرت هذه الصورة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي التركية؟

بحسب غولين دجافوش، وهي صحافية تركية تعمل لفائدة الموقع التركي للتحقق من الأخبار Teyit.org، فإن كثرة انتشار هذه الإشاعات حول أحمدي نجاد تعود إلى الجدل القائم في تركيا حول ثروة بعض النواب الأتراك.

في يوليو/تموز الماضي، انتقد النائب عن حزب العدالة والتنمية كنان سوفووغلو، وهو بطل عالمي سابق لسباق الدراجات النارية، على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد وصوله للبرلمان على متن سيارة لمبورغيني. وفي فبراير-شباط 2017، تعرضت النائبة أليف دوغان تركمان إلى عقوبة بسبب فواتير اتصالاتها الهاتفية التي فاقت 1,2 مليون ليرة.

 
بعد انتخابه، وصل النائب وبطل العالم السابق لسباق الدراجات النارية إلى البرلمان على متن سيارة لمبورغيني.
 

انتشرت هذه الأخبار المزيفة حول الحياة المتواضعة المزعومة لأحمدي نجاد بكثرة حول عدد من المواقع، لا سيما على صفحات تدعى "فخوخ النقر" (clickbait)، وهي صفحات مختصة في نشر الإشاعات والأخبار المزيفة للحصول على أكبر عدد من المتابعين. كما تنتشر هذه الأخبار الكاذبة على صفحات على موقع فيس بوك يديرها نشطاء يساريون أو إسلاميون، وذلك بهدف التنديد بالفوارق الاجتماعية في تركيا أو للتعبير عن غضبهم أمام نمط الحياة الفاخر لبعض المسؤولين السياسيين.

عدد كبير من الأتراك يتهمون النواب والوزراء بالحصول على رواتب مشطة دون المساهمة في تحسين وضع المواطنين. وقد بات موضوع رواتب النواب أمرا حساسا في تركيا. يبلغ الراتب الشهري الأدنى لنائب تركي 20 ألف ليرة تركية [أي 2600 يورو] بينما لا يعدو أن يكون متوسط الرواتب 2200 ليرة [أي 285 يورو]. هذا ما يفسر غضب الناس عندما يرون على مواقع التواصل الاجتماعي السيارات والبيوت الفاخرة التي يتمتع بها المسؤولون السياسيون، ويجعلهم يتقبلون بسهولة مثل هذه الإشاعات [حول الحياة المتواضعة المزعومة لأحمدي نجاد]..

 
يقول هذا المنشور على موقع فيس بوك: "لن تروا أبدا أشياء كهذه في تركيا. ولا حتى بأحلامكم! لا شيء يعلو على الكبرياء في تركيا. للأسف، هذه هي بلادنا".
 

إذن، هل يعيش أحمدي نجاد حياة متواضعة؟

تتوقف الإجابة على هذا السؤال على تعريف "متواضعة". فمنذ خطواته الأولى في عالم السياسة، قدم أحمدي نجاد نفسه دائما على أنه رجل متواضع، إذ رفض لسنوات أن يلبس بدلة، وفضل الظهور أمام الملأ في سترة بيضاء بسيطة. كما كان يتنقل دائما على متن سيارته الشخصية، وهي سيارة بيجو 504 قديمة.

خلال انتخابات 2005، جعل أحمدي نجاد من موضوع محاربة الفساد جوهر حملته. وقد بعث فيما بعد موقع "مردم يار" (أي "صديق الشعب") للتأكيد على هذا الصورة "المتواضعة".

لكن عهدته الثانية شهدت عددا من فضائح الفساد تورط فيها مسؤولون سياسيون ينتمون إلى دائرته الضيقة. وقد حكم على بعضهم بالسجن لمدة وصلت أحيانا لـ15 عاما.

في يوليو/تموز 2017، حكمت المحكمة العليا على أحمدي نجاد بنفسه بتهمة سوء التصرف في المال العام. وقد أعلن المدعي العام أنه أساء التصرف في أكثر من ملياري دولار خلال العهدة الثانية للرئيس الإيراني.