منذ بداية أزمة المهاجرين، في 2015، أصبحت حديقة ماكسيميليان، الواقعة في قلب العاصمة البلجيكية، نقطة لقاء العديد من المهاجرين، بعضهم جاء لتقديم طلب لجوء في مكتب الأجانب المجاور للحديقة، والبعض الآخر ليأخذ قسطا من الراحة قبل "محاولة العبور" نحو إنكلترا على متن إحدى السيارات أو الشاحنات. وقد ارتفع عددهم منذ تفكيك مخيم كاليه، شمال فرنسا، والذي يقع على بعد 200 كيلومتر من مدينة بروكسل.

كل ليلة في هذه الحديقة، يجتمع حوالي 20 سائقا، ومئة ممن يستقبلون المهاجرين في منازلهم للسماح لـ400 مهاجر تقريبا بالنوم في مكان دافئ.

يتمتع نحو 120 من المهاجرين بسرير في مهجع تديره منصة المواطنة لدعم اللاجئين، والتي تقع على بعد 15 دقيقة سيرا على الأقدام من الحديقة. هناك، الوجبات والحمامات مدعومة ماليا من قبل المواطنين، وقد وفرت مدينة بروكسل المبنى للجمعية.

يقوم متطوعون حصريا بإدارة مركز الاستقبال المدعو "باب أوليسيس". نشرت الصورة على مجموعة الفيس بوك في 4 يناير/ كانون الثاني 2017.

والباقي ينامون عند السكان.


 

"في فرنسا، تعرضت لشتائم، أما هنا، فلا ينام أحد في الشارع"

منذ سنة ونصف، هرب حسن (اسم مستعار) من السودان، بعد أن قتل جميع أفراد عائلته خلال قصف استهدف منزلهم. وهو يبلغ اليوم 37 سنة ويرغب في العبور إلى إنكلترا.

قطعت العديد من البلدان، منها ليبيا وإيطاليا وفرنسا، قبل أن أصل إلى هنا. في تلك البلدان، الناس لا يحبون المهاجرين. على حافة الطريق في فرنسا، كان البعض يتوقف ليشتمني. أما هنا في بروكسل، فاللاجئون لا ينامون أبدا في العراء.

التقيت إلى حد الآن أربع عائلات بلجيكية، وأنا على تواصل دائم معهم. إنهم حقا لطيفون جدا، فهم يقدمون لي الطعام  وبوسعي أن أستحم وأغسل ثيابي وآخذ قسطا من الراحة. كثيرا ما نتجاذب أطراف الحديث ونطبخ ونشاهد التلفزيون معا.


حسن التقط صورا كثيرة خلال زياراته للعائلات البلجيكية. وقد دعته إحداها لسهرة عيد الميلاد، خلال عملية خاصة بأعياد آخر السنة أطلقتها مجموعة الفيس بوك. وقد قام فريق تحرير فرانس 24 بتغشية وجوه الحاضرين على الصور نزولا عند طلب حسن..
 

حاليا، أشكو من عيني بسبب الغازات المسيلة للدموع التي تستعملها الشرطة [التي تقوم بانتظام بعمليات في الحديقة، ملاحظة من هيئة التحرير]، والسيدة التي تأويني الليلة ستساعدني لأقوم بزيارة طبيب. كثيرون هنا مثلها وهذا مواساة وسلوان لنا.

امرأة بلجيكية تدعى نانو تأوي حسن ليلتين وتقول :"سأذهب الليلة إلى حصة تدريبية لأنني أشارك في مجموعة غنائية، وبوسعه البقاء في المنزل بمفرده، أنا أثق به تماما".

"لديهم نسخة من المفاتيح"

مراقبتنا صوفي فيليي تستقبل منذ أسابيع ضيفا على الأقل كل ليلة في بيتها، في نامور، على بعد 70 كيلومترا من بروكسل.

في بادئ الأمر، كنت فقط منخرطة في المجموعة على موقع الفيس بوك، كنت أريد المشاركة لكن زوجي كان مرتابا. لم يكن بوسعه منح ثقته لغرباء وقبولهم في المنزل هكذا.

عندما قرأنا أن المهاجرين الموجودين في حديقة ماكسيميليان تعرضوا إلى غارة بوليسية أمام أعضاء المجموعة في شهر أكتوبر- تشرين الأول، قررنا المشاركة. في بادئ الأمر، كان زوجي يقوم بقيادة المهاجرين ثم شرعنا في إيوائهم مرة كل ثلاثة أسابيع. لكن منذ شهر، نستقبل شخصا كل ليلة.


السائقون يقودون المهاجرين إلى عند العائلات التي تأويهم إن لم يكن باستطاعة أفراد العائلة الانتقال مباشرة إلى حديقة ماكسيميليان. الصورة من إرسال مراقبتنا.
 
"الأطفال يتعلقون بهم"
 
أحد "ضيوف" صوفي فيليي وهو يطالع رفقة ابنها. الصورة من إرسال مراقبتنا.

لدينا ثلاثة أطفال. أكبرهم يبلغ من العمر 8 سنوات، وقد طلب مرافقتنا إلى الحديقة وأصر على أن نستقبل المزيد من الأشخاص. عموما، الأطفال يتعلقون كثيرا بضيوفنا.

كل ليلة تقريبا، يذهب زوجي إلى الحديقة مع حدود الساعة العاشرة ليلا بحثا عن الضيوف، فينقلهم إلى جانب العائلات التي تأويهم ثم يعود مع ضيفنا مع منتصف الليل.

أحد أعضاء المجموعة على الفيس بوك نشر هذه الصورة التي تمثل "المستلزمات الأساسية" لمن يريد استضافة اللاجئين على أحسن وجه : كمية مهمة من الهريسة، شاي، مسحوق الفلفل الحار وصلصلة تاباسكو.
.
أصبحت لدينا عادات : نضع في الغرفة مستلزمات لتحضير الشاي والسكر والفواكه الجافة ومستلزمات النظافة. عندما يصل ضيفنا، نقدم له مشروبا ونتحدث معه قليلا إن لم يكن منهكا. نقترح عليه كذلك استعمال الحمام وغسل ثيابه في آلة الغسيل. عادة ما نتركه ينام حتى منتصف النهار، عندما أذهب إلى العمل.

بعض المعتادين يبقون في المنزل مع الأطفال أو بمفردهم. ونترك لهم نسخة من المفاتيح.

"إلى حد الآن، لا توجد 'جنحة تضامن' في بلجيكا"

يون داكس من المتطوعين الرئيسيين للحركة. وهو من ينظم عدة أمسيات في الأسبوع لتوزيع المهاجرين على مختلف العائلات.

أسكن على بعد 15 دقيقة مشيا من حديقة ماكسيميليان. عند بدء أزمة المهاجرين في 2015، لم أكن أتحمل ما كنت أراه، فقمت بإفراغ نصف خزاناتي من محتواها وأسرعت إلى الحديقة لتوزيع الثياب. استقبلت سوريا وزوجته في منزلي، كان اللقاء رائعا، ممتعا ومشحونا بالعواطف.


يون داكس ومتطوعون آخرون، بعد أمسية قضوها في توزيع المهاجرين على عدد من العائلات..
 

بوسعي القول الآن أن لدي حياة مزدوجة : فأنا مسؤول على مركز اتصال في النهار وخلال الأسبوع، وأقضي جميع أمسياتي في حديقة ماكسيميليان.


العديد من المهاجرين "يخيمون" في بيت يون داكس الذي يأوي كل ليلة أشخاصا يتراوح عددهم بين اثنين وعشرة..
 

الحماس الذي أثاره حراكنا يفاجئني كثيرا. أظن أنه يعود لسببين : أولا، وإلى حد الآن، لا توجد "جنحة تضامن" في بلجيكا، ومن القانوني أن نقوم بإيواء أشخاص في وضع غير قانوني لأسباب إنسانية، على خلاف ما يجري في بلدان أوروبية أخرى.


في 21 يناير/ كانون الثاني، علم المتطوعون أن الشرطة تستعد لإيقاف عدد كبير من المهاجرين في الحديقة فنظموا سلسلة بشرية لمنع ذلك وحماية المهاجرين.

حكومتنا ذات ميولات يمينية تكاد تكون متطرفة، لا سيما بشأن سياسة الهجرة. العديد من المواطنين يرغبون في التنديد بهذه السياسة من خلال تحركات فعلية. إنها نوع ما صرخة غضب من قبل البلجيكيين.

في فرنسا، ولّد التحرك البلجيكي نتائج. ففي كاليه وفي مدينة ليل وضواحيها، أنشئت شبكة Migraction التي يقول عناصرها أن المبادرة البلجيكية ألهمتهم ليوفروا بدورهم مأوى للمهاجرين في نهاية الأسبوع.

في بلجيكا، إيطاليا، ألمانيا وإسبانيا، يحرم القانون مساعدة الأشخاص الذين هم في وضع غير قانوني، إلا إن تمت في إطار إنساني. أما في فرنسا، فهذه المساعدات قد تؤدي بمن يقوم بها إلى السجن أو إلى دفع غرامة، إلا إذا كان ذلك من أجل "ضمان سلامة الأجنبي" دون مقابل. وفي السنوات الأخيرة، تمت ملاحقة عدة أشخاص بسبب نقلهم أو إيوائهم لمهاجرين.

هذا ما حدث لسدريك هيرو، وهو فلاح في وادي رويا قام بإيواء عدد من المهاجرين القادمين من إيطاليا أو قام بنقلهم من إيطاليا.