قرية كردية تاريخية تدمر بالمتفجرات في انتظار أن يجتاحها نهر دجلة

قرية حصن كيفا التي أسست منذ 12 ألف سنة ستختفي قريبا
قرية حصن كيفا التي أسست منذ 12 ألف سنة ستختفي قريبا
إعلان

 جنوب شرق تركيا، وعلى ضفاف نهر دجلة، تقع قرية حصن كيفا التي أسست منذ 12 ألف سنة وستختفي قريبا : فقد شيدت الحكومة التركية سدا عظيما سيتسبب قريبا في غرق القرية تحت المياه. السكان استسلموا لمصيرهم بعد سنوات من الكفاح وعبروا عن شعورهم بالإهانة، خاصة بعد تفجير المنحدرات في الأسابيع الأخيرة.

80 % من القرية سيكون تحت مياه نهر دجلة سنة 2018، مياه يمنعها حاليا سد ضخم من السيلان، لكن مياهه ستجتاح 313 كيلومترا مربعا من الأراضي خلال الستين سنة القادمة. وهذا السد من أهم المشاريع التي تقودها حكومة رجب طيب أردوغان لتطوير منطقة جنوب شرق تركيا التي تعاني من الفقر. وحسب السلطات، فمن المفترض أن يخلق هذا السد 10 آلاف موطن شغل وتروية الأراضي الفلاحية وتطوير السياحة، لكنها لم تعط تفاصيل عن هذه الأرقام.

سد اليسو يقع على بعد ستين كيلومترا من قرية حصن كيفا وقد تم بناؤه سنة 2016. صورة إشهارية نشرت في أكتوبر-تشرين الأول على صفحة السد على موقع الفيسبوك.

ستة آلاف ساكن، معظمهم كرد وعرب، مهددون باجتياح المياه. وقد قامت الحكومة بابتياع منازلهم واقترحت عليهم مساكن جديدة في المدينة الجديدة التي بنيت غير بعيد، في المنطقة العليا. لكن نظرا لأسعار هذه المنازل المرتفعة، فقد أكد بعض السكان الذين اتصل بهم فريق مراقبون أنهم يفضلون الانتقال إلى مكان آخر.

خريطة تظهر المناطق التي ستجتاحها مياه السد ونشرت على موقع الإدارة التركية العامة للأعمال الهيدروليكية للدولة بتاريخ 25 أغسطس-آب 2017.

كما قامت الدولة بنقل ثمان آثار رمزية للقرية قرب "مدينة حصن كيفا الجديدة" بهدف الحفاظ عليها ومواصلة جلب السياح.

بعد حملات عديدة للمدافعين عن البيئة وعن التراث، قرر عدد من البلدان والشركات الأوروبية الذين كانوا مشاركين في تمويل السد من خلال وكالات ائتمان التصدير أن ينسحبوا من المشروع سنة 2009، بحجة أن السد لا يحترم المواصفات الدولية. لكن ذلك لم يمنع الحكومة التركية من الحصول على تمويلات أخرى ومواصلة الأشغال في 2010.

تفجير المنحدرات

منحدرات حصن كيفا دمرت جزئيا بالمتفجرات في 14 أغسطس-آب 2017، كما ظهر في العديد من الفيديوهات التي نشرت بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا.

في هذه التغريدات، نرى عددا من الفيديوهات التي صورت في 14 أغسطس-آب 2017 والتي تظهر تفجير منحدرات حصن كيفا. في الفيديو أعلاه، يمكن أن نرى ونسمع المتفجرات بوضوح في الدقيقة الأولى و28 ثانية.

في 29 أغسطس-آب، نشر فيديو آخر على موقع إنستاغرام يظهر أن التفجيرات متواصلة.

يقول محمد علي أصلان :"عندما رأيت الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، ظننت أولا أنها داعش بصدد تفجير تدمر. صدمت وكنت مستعدا للتضحية من أجل حصن كيفا"

4.

احتجاجا، قام النائب المعارضة محمد علي أصلان من الحزب الديمقراطي الشعبي، وهو حزب يساري مساند للأكراد، قام بربط نفسه للصخور في 17 أغسطس-آب. وأعلن في اتصال مع فرانس 24 :"إن لم نفعل شيئا، سيسألنا أحفادنا يوما أين كنا عندما تم تفجير حصن كيفا وإغراقها تحت المياه."

أعلنت محافظة بطمان التي تنتمي إليها بلدة حصن كيفا في 16 أغسطس-آب أن الهدف من هذه الأشغال هو تأمين المكان في انتظار إغراق البلدة وأنه لم يتم استعمال المتفجرات قطعا، رغم ما يظهر في الفيديوهات.

"قريبا، سيكون متجري تحت المياه"

محمد عريف يبلغ من العمر 31 سنة وهو صاحب متجر لبيع الزرابي في حصن كيفا، وقد تم اعتقاله في 8 مايو-أيار صحبة المصور الصحافي ماتياس دوباردون عندما كان بصدد العمل على تقرير حول سدود المنطقة. وأفرج عنه بعد ثمان ساعات من التوقيف.

قريبا، سيكون متجري تحت المياه. السياحة هي موردنا الأول لكن وكالات الأسفار لا تتوقف طويلا عندنا صحبة السياح. لذلك فهم لا ينفقون الكثير ووضعنا المالي سيء. الناس هنا يعيشون في بيوت متردية ووضعهم ليس بالسهل.

لقطة من فيديو إشهاري نشر على صفحة الفيسبوك للسد في 4 أبريل-نيسان 2017، وفيها عرض لـ"مدينة حصن كيفا الجديدة".

 

كثيرون قبلوا بيع منازلهم على أمل الحصول على مساكن جديدة في المنطقة العليا، لكنهم سيصابون بالإحباط. فالحكومة اشترت منزلي مثلا بثمن 500 ليرة تركية للمتر المربع الواحد [حوالي 120 يورو]، بينما المتر المربع في المنطقة الجديدة يبلغ ضعف هذا الثمن. ولدفع الفارق، سيجبر السكان على اقتناء قرض لكن دون دفع الفائدة.

"جريمة ضد التراث"

جون كروفوت مستشار في المسائل البنكية وقع في حب منطقة حصن كيفا في 2011 خلال زيارة سياحية. ومنذ 2012، اختار أن يعيش في البلدة بضعة أشهر في السنة وشارك في تأسيس موقع للدفاع عن حصن كيفا يدعى "حصن كيفا مهمة". بالنسبة له، فإن نقل الآثار التاريخية أمر "مثر للسخرية" ولن يضمن أبدا حماية التراث.

في هذه الصورة التي نشرت على موقع البلدية في 2014، نرى الجسر القديم الذي بني في القرن الثاني عشر، على طريق الحرير. كذلك سمعة جامع الرزق التي يعود بناؤها إلى سنة 1409.

تفجير المنحدرات كان مخططا له لكن هذا لا يمنع أن مثل هذا العمل يعتبر جريمة ضد تراث تاريخي ذي بعد عالمي. ولم فعل ذلك الآن وليس بعد رحيل السكان ؟

حصن كيفا تستوفي تسعة من الشروط العشر اللازمة ليتم إدراجها ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو [علما وأن شرطا واحدا يكفي لذلك، ملاحظة من هيئة التحرير]. فالبيزنطيون بنوا قصرا هنا كما كانت البلدة حصنا مهما للرومان ضد الفرس. مؤخرا، كشفت حفريات آثار حياة بشرية هنا تعود إلى 9500 سنة قبل الميلاد. حصن كيفا بنيت منذ 12 ألف سنة، وهذا يعني أنها من أقدم الأماكن المسكونة على الدوام حول العالم.

السكان يشعرون بالإهانة والإحباط لأنهم فشلوا في منع بناء هذا السد. ألمهم كبير، وكذلك شعورهم بالذنب. إنه الموت المؤكد بالنسبة لمجتمعهم.

مجموعة من أحباء نادي كرة القدم بيشكتاش علق هذا الملصق غير بعيد عن حصن كيفا في تحية له للبلدة، ويقول النص :"ها أنا أمضي في صمت"، في إشارة إلى أغنية تركية حزينة.

"السكان يحتجون لكنهم يعملون على موقع البناء"

اردم يبلغ من العمر 40 سنة وهو أحد سكان حصن كيفا فضل عدم التصريح عن هويته لأسباب أمنية.

"لقد أخفقنا بسبب نفاق الكثيرين : فالدول وأغلبية الشركات التي شاركت في تمويل هذا المشروع تراجعوا لكن شركات دولية أخرى واصلت [من بينهم الشركة النمساوية، اندريتس، ملاحظة من هيئة التحرير]. وكثيرون من السكان احتجوا لكنهم في المقابل وافقوا على العمل على موقع البناء ولا يزالون.

فريق تحرير مراقبون تقدم بطلب مقابلة بالقرب من الإدارة التركية العامة للأعمال الهيدروليكية للدولة وسنقوم بنشر ردة فعلهم بمجرد حصولنا عليها.