تشهد فنزويلا منذ شهر ونصف مظاهرات حاشدة تتخللها بانتظام اشتباكات بين قوات حفظ النظام والمحتجين. في خضم هذا العنف، يسعى البعض إلى الصمود بوسيلة مختلفة، ألا وهي الموسيقى. إنها وسيلة للحث على "السلام"كما يقول شاب عزف العزف على الكمان وسط المظاهرات ثلاث مرات، وأحيانا جازف بحياته.

في 20 نيسان/أبريل الماضي برز الموسيقي توماس فيفاس أثناء مظاهرة وهو يعزف على غيتار صغير رباعي الأوتار. برنامج "مراقبون" من فرانس24 اتصل به فقال إن الفن يتيح "التنديد بأوجه الظلم بطريقة سلمية" وإن بلده "يحتاج للثقافة أكثر مما يحتاج للرصاص".

غير أن هناك موسيقيا آخر اسمه ويلي مويسيس أرتياغا جرى الحديث عنه في الآونة الأخيرة عندما عزف الكمان أمام قوات حفظ النظام ووسط الغازات المسيلة للدموع في العاصمة الفنزويلية كاراكاس. وقد راجت هذه الصور على نطاق واسع في العالم. عمر هذا الموسيقي 23 سنة وهو يعزف على هذه الآلة منذ خمس سنوات.

"متظاهرون غنوا على أنغام عزفي"

عزفت على الكمان في مظاهرة لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع تقريبا في باركيسيمينتو [هيئة التحرير: عاصمة ولاية لارا شرق كاراكاس]. كانت الوضع هادئا آنذاك رغم إطلاق الغازات المسيلة للدموع لاحقا.

ثم أعدت الكرة في كاراكاس في 6 أيار/مايو أثناء "مسيرة النساء" [هيئة التحرير: نظمتها المعارضة]. قررت المشاركة من باب التضامن. وفي وقت معين، أغلقت قوات حفظ النظام مداخل الطريق السريع فاشتد التوتر قليلا. ساعتها، بدأت بالعزف على الكمان وأخذ الناس يصفقون. ولحسن الحظ لم تفلت الأمور.


في هذا الفيديو المصور في 6 أيار/مايو في كاراكاس يعزف ويلي مويسيس أرتياغا على الكمان في الشارع بلا خوذة ولا قناع واق من الغاز المسيل للدموع. الصورة بإذن من: غابرييلا غونزاليس

نساء صدحن بالنشيد الوطني أثناء مسيرتهن في 6 أيار/مايو في كاراكاس.


لكن الأمر كان مختلفا في 8 أيار/مايو في كاراكاس. في ذلك اليوم وجدت بالصدفة مظاهرة فقررت المشاركة فيها بالعزف على الكمان.


في كاراكاس ساد الهدوء مظاهرة 8 أيار/مايو في البداية. الصورة بإذن من: فرانسيسكو أوريزتييرا


في البداية، ساد الهدوء. غير أنه عند الوصول إلى منطقة تشاكايتو بدأت قوات حفظ النظام بإطلاق الغاز المسيل للدموع. فبدأت عزف النشيد الوطني.

"الغاز ملأ المكان حتى أنني لم أستطع رؤية أسلحة قوات حفظ النظام المصوبة نحونا"

بعض المتظاهرين أخذوا يغنون على عزفي فيما حماني آخرون كالدرع وأعطوني الماء ومواد تخفف من أثر الغاز المسيل للدموع. لم أكن أرتدي قناعا واقيا لأنني لا أعرف أحدا يمكنه أن يعيرني قناعا. الغاز ملأ المكان حتى أنني لم أستطع رؤية أسلحة قوات حفظ النظام المصوبة نحونا. لكنني لم أخف. منذ سنوات ونحن نخاف من أن نتعرض للسرقة أو القتل في الشارع لذلك أرى أننا اعتدنا.


فيديو آخر مصور في اليوم نفسه في كاراكاس ويظهر فيه متظاهرون وهم يحمون عازف الكمان.

فيديو آخر مصور في اليوم نفسه في كاراكاس ويظهر فيه متظاهرون وهم يحمون عازف الكمان.


عندما عزفت النشيد الوطني أردت أن أشجع المتظاهرين مع تذكيرهم بأننا نحتج من أجل السلام وإعادة بناء بلدنا وليس من أجل العنف. لكنني عزفت أيضا من أجل عناصر قوات حفظ النظام لكي أقول لهم إنني لست مسلحا وإنني بالعكس لا أحمل سوى رسالة سلام هدفها أن نتحد جميعا. غير أن طلقات الغاز المسيل للدموع لم تتوقف مع ذلك...

عقب ذلك تلقيت تهديدات، من بينها تهديد بالهاتف. وفقدت عملي بعد أن كنت عازفا في فندق تديره الحكومة وحيث كنت أعزف كل ليلة. فقد منعت بكل بساطة من الدخول في 8 أيار/مايو وأخبروني أنهم رأوني في المظاهرة.

لا أعرف إن كنت سأستمر بالعزف على الكمان في المظاهرات، سأفكر. لكنني أريد مواصلة التحرك من أجل السلام لأنه من المهم تسخير الفن كنوع من الاحتجاج.

في 7 أيار/مايو جرت في كاراكاس "مسيرة ’فنانون من أجل الحياة‘". واستطاع عدة موسيقيين العزف في الشوارع بدون عوائق هذه المرة. لقد أرادوا تأبين أحد رفاقهم الشاب أرماندو كانييثاليس الذي قتل أثناء مظاهرة سابقة.


"مسيرة ’فنانون من أجل الحياة‘" في 7 أيار/مايو في كاراكاس.
منذ بداية نيسان/أبريل، سقط 38 قتيلا ومئات الجرحى أثناء المظاهرات التي تجري يوميا تقريبا.

ويطالب المحتجون برحيل الرئيس نيكولاس مادورو قبل نهاية ولايته (كانون الأول/ديسمبر 2018) وتنظيم انتخابات عامة مبكرة. ويعترضون أيضا على مشروعه القاضي بالدعوة إلى جمعية تأسيسية، وهم يرون في ذلك مناورة هدفها تأجيل الانتخابات.

وقد اشتد التوتر في بداية نيسان/أبريل بسبب قرار المحكمة العليا –المعروفة بقربها من الرئيس- الاستحواذ على صلاحيات البرلمان –وهو بيد المعارضة- رغم أنها تراجعت عن هذا القرار الذي أثار ضجة.

ترجمة: عائشة علون