إيران

إيران: الاحتفاء بالملك كوروش وسيلة لانتقاد واستفزاز النظام

إعلان

في 28 تشرين الأول/أكتوبر، يحتفل الإيرانيون بالملك قورش الثاني مؤسس الإمبراطورية الفارسية في القرن الخامس قبل الميلاد. لكن الاحتفال هذه السنة بملك حكم إيران قبل مجيء الإسلام كان أكبر من المعتاد. وقد أزعج كل هذا المحافظين الإيرانيين كما يخبرنا مراقبونا.

لم يتجمع آلاف الأشخاص يوم الجمعة الماضي في باسارجاد قرب مدينة شيراز جنوب إيران ليحتفلوا بآية الله الخميني ولا للتهليل لمسؤول سياسي. لقد تجمعوا بالفعل حول قبر الملك قورش الكبير ملك الأخمينيين من عام 576 إلى 529 قبل الميلاد ليحتفلوا بذكراه.

"عاش الملك قورش"..هذا ما يسمع في هذا فيديو الهواة هذا.

هذا التجمع للاحتفاء بملك حكم منذ أكثر من 2000 عام قبل ظهور الجمهورية الإسلامية لم يرق طبعا للمحافظين الإسلاميين أبدا. العديد من "آيات الله" ووسائل الإعلام المحافظة استاءت من الأهمية المتزايدة لهذا الاحتفال، وقد ألقي القبض على عدة أشخاص، وفقا لما ورد عن المدعي العام للجمهورية الإيرانية. وقال آية الله نوري الهمداني، وهو شيخ معروف: "هتف الناس بشعارات كان حريا بهم رفعها لتبجيل مرشدنا الأعلى، وقد اكتفينا بالنظر إليهم. إنهم ضد الثورة وكم هو صادم أن نرى أن بإمكانهم أن يتجمعوا بحرية".

صور وأشرطة فيديو هواة تظهر فعلا أن آلاف الناس من مختلف المناطق تجمعوا لدرجة أنهم شلوا حركة المرور في الطريق.

شلت حركة المرور بشكل مذهل في أنحاء باسارجاد

في 28 تشرين الأول/أكتوبر ليس هو يوم عطلة وطنية في إيران، لكن هناك احتفال بهذا التاريخ. وهذه الذكرى ليست الوحيدة التي يحاول المحافظون وشيوخ الدين الإيرانيون محوها من الذاكرة الجماعية. فهناك عيد النوروز، وهو عيد النار (يحتفل به في آخر يوم الثلاثاء من السنة) أو عيد الطبيعة (يأتي بعد ثلاثة عشر يوما من رأس السنة الفارسية). وكلها أعياد كان الإيرانيون يحتفلون بها قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979 ويحاول المحافظون المتشددون طمسها.

"نحن نحيي ذكرى ملك كان يحترم البشر أيا كان انتماؤهم الديني أو الإثني"

علمت بوجود هذا الاحتفال من خلال موقع تلغرام [هيئة التحرير: تطبيق للتراسل على الهاتف المحمول مستخدم في إيران على نطاق واسع]. ودعاني العديد من أصدقائي للانضمام إلى هذا الاحتفال، ورأيت أيضا عبر موقع تلغرام مجموعات أخرى تتحدث عنه. فقررت المشاركة لأنني أعتقد أن قورش كان ملكا متسامحا جدا، ولم يكن كذلك مع شعبه فحسب، بل أيضا مع الشعوب التي غزاها وترك لها حرية الديانة. وهو لم يعْمد أبدا إلى التدمير أو إلى استعباد الشعوب [هيئة التحرير: يقول المؤرخون مثلا إنه كان يكرّم مردوخ إله بابل وبعل إله الفينيقيين].

كثيرون جاؤوا للاحتفال بسيرة هذا الملك وما يمثله من حرية وعدل ومساواة اجتماعية بين الشعوب أيا كان انتماؤهم الديني أو الإثني.

عادة، أقطع المسافة إلى باسارجاد في ساعة فقط. لكن هذه المرة استغرق ذلك أربع ساعات بسبب الازدحام على الطريق. رأيت إيرانيين من أصول فارسية وعربية وتركية وكردية وحتى بعض السياح الأجانب الذين اغتنموا هذه الفرصة. بعض الناس كانوا في المكان ليلة من قبل. كانت الأجواء لطيفة جدا والناس يغنون بشكل تلقائي. لكن المشاركين كانوا متوترين رغم ذلك بسبب كاميرات المراقبة. فقد ظنوا أن الصور ستستخدم لتوقيف من ذهبوا إلى مكان الاحتفال.

بعض المحافظين أكدوا أن الاحتفال بقورش سلوك لا يتواءم مع الجمهورية الإسلامية. أنا لا أتفق مع هذا الكلام. فنحن ذهبنا للاحتفاء برجل كان يعامل الناس باحترام في إمبراطوريته. رسالتنا هنا كانت احترام البشر أيا كانت ديانتهم أو إثنيتهم.

أما بعض الإيرانيين فقد اغتنموا هذه المناسبة ليرفعوا شعارات سياسية قومية مثل: لا غزة ولا لبنان...لا نضحي سوى من أجل إيران".

من هو قورش الكبير؟

قورش الكبير هو مؤسس دولة الأخمينيين وأحد أبرز الملوك في تاريخ البشرية. ففي عام 480 قبل الميلاد كانت إمبراطوريته تضم 44% من سكان الأرض. ويعرف أيضا بحكمه العادل والمسالم. ويحكى أيضا أنه لم يستعبد الشعوب التي غزاها ولم يجبرها على اعتناق الديانات التي كانت سائدة في الإمبراطورية الفارسية. وقد ورد اسمه في الإنجيل 23 مرة إذ وصف بأنه "سيد" اليهود و"محررهم". ففي عام 539 قبل الميلاد، هزم نبونيد وضم بابل لدولته وحرر اليهود الذين كانوا في الأسر. ثم بنى معبد القدس. أما "أسطوانة قورش" (أو "منشور قورش") التي نقشت بعد نصر بابل فتعتبر إحدى إعلانات حقوق الإنسان الأولى في العالم.

استفزاز السلطات

عمار المالكي أستاذ في العلوم السياسية بجامعة تيلبرغ (هولندا) ومؤلف كتاب عن أشكال العصيان المدني الجديدة (عنوانه الإنكليزي: From civil disobedience to civil "misobedience').

احتفال الإيرانيين بالملك قورش ليس وليد اليوم. لكن الإقبال الملفت للنظر على الاحتفال هذه السنة قد يعزى إلى عدة أسباب: ففي السنوات الأخيرة، بدأت جمهورية إيران الإسلامية بنفسها في اللعب على وتر القومية لكي تحافظ على شعور معاداة العرب بسبب العداء الإقليمي بين إيران والمملكة العربية السعودية. ودأبت على التذكير بأنها تدعم نظام بشار الأسد في سوريا بهدف -ما تسميه- حمايته من أعدائه من البلدان العربية، وهي بذلك تلعب على وتر القومية الإيرانية.

ناهيك عن أن إيران تمر بظروف اقتصادية واجتماعية عصيبة وأن الطبقة السياسية تعتبر فاسدة. لذلك فإن الإيرانيين يميلون أكثر إلى استحضار الشخصيات التاريخية المشرّفة مثل الملك قورش. وأخيرا، فإن من يشاركون هذه الذكرى يعرفون تماما أن النظام لا يحب إطلاقا الاحتفالات المرتبطة بحقب ما قبل الإسلام. لذلك فهذا نوع من الاستفزاز للسلطات.

ترجمة: عائشة علون