الصورة بموافقة سيغال أبيبي.

قامت السلطات الإسرائيلية مساء يوم الأحد بعمليات اعتقال "شرسة" لمئات من طالبي اللجوء الأفارقة، معظمهم من السودان وإريتريا، حاولوا عبور الحدود نحو مصر. وكان هؤلاء الرجال قد خرجوا من مركز الاحتجاز في صحراء النقب في إسرائيل على أمل أن تأتي الأمم المتحدة لنجدتهم إن هم تمكنوا من عبور الحدود. وقد راع مشهد التدخل العنيف للسلطات مراقبتنا التي عاينت عملية الاعتقال.

يوم الجمعة بعد الظهر خرج رجال من "السجن المفتوح" هولوت حيث عليهم أن يخضعوا للتفتيش هناك عدة مرات نهارا وأن يسجنوا فيه ليلا. وهذا المركز الجديد المثير للجدل يضم حاليا 2400 رجل يدعون أنهم لاجئون هاربون من العنف السائد في بلدانهم، لكن الحكومة تتهمهم بأنهم مهاجرون لأغراض اقتصادية تحديدا. ويخضع هؤلاء الرجال لاحتجاز لم تحدد مدته رغم أن معظمهم عاشوا سنوات في إسرائيل بتأشيرات مؤقتة قبل أن تشدد الحكومة سياساتها وظلوا يحتجون على هذا الوضع طيلة الأشهر الماضية. وقد قرر مئات منهم أن الحل الوحيد بعد أن فقدوا الأمل في كل شيء هو التوجه إلى البلد المجاور، مصر.

"كأنها جهنم على الأرض"

سيغال أبيبي ناشطة في مجال حقوق الإنسان وتعيش في تل أبيب. وقد أقامت علاقات وطيدة مع عدة مهاجرين أفارقة.

التحقت مع بضعة ناشطين إسرائيليين بالمحتجين ظهر يوم الجمعة للمشاركة في مسيرتهم نحو الحدود المصرية. ولقد أخبرونا أنهم لا يريدون البقاء في إسرائيل لأنها لا تعاملهم مثل اللاجئين. وهم لا يعتزمون بذهابهم إلى مصر أن يعيشوا هناك، بل مجرد مغادرة الأراضي الإسرائيلية على أمل أن يجبر ذلك الأمم المتحدة على التحرك للاهتمام بأمرهم.[هيئة التحرير: وهذا السيناريو غير وارد حسب ما قاله مسؤولون من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.]

على الطريق المؤدي إلى الحدود المصرية. الصورة لسيغال أبيبي.


وقد أوقف الجنود هؤلاء المهاجرين على بعد 300 متر من الحدود. ودار بين الطرفين اشتباك فتدخلنا بينهما، ثم وافق طالبو اللجوء على العودة أدراجهم مسافة قليلة وتوفقوا عند أجمة صغيرة. بتنا هناك تلك الليلة معهم وعندما استيقظت في الفجر أصابتني الدهشة، إذ وجدتهم قد نشروا البطانيات على الشجر ليصنعوا خياما وقسموا هذا المخيم العشوائي المؤقت إلى عنابر كما كان الوضع في مرفق الاحتجاز. وكان عندهم مولد كهرباء فأخذ الرجال من كل عنبر يشحنون هواتفهم المحمولة واحدا تلو الآخر لمدة 20 دقيقة لكل واحد.
 
"اتفقوا على مقاومة الاعتقال دون استخدام العنف"

ولقد سارع أفراد الجالية السودانية والإريتيرية في تل أبيب إلى تقديم الأغذية والمؤن التي قسمت إلى حصص كي توزع على الجميع بالتساوي. وعقد السودانيون والإريتيريون اجتماعات بانتظام للبت في خطة التحرك واتفقوا على مقاومة الاعتقال دون استخدام العنف. فظلت الأجواء سلمية لمدة يومين لم تجر الشرطة خلالهما إلا بضع زيارات تفقدية.
 
في المخيم العشوائي المؤقت. الصورة بإذن من سيغال أبيبي.


ومع اقتراب نهاية المهلة المحددة في 48 ساعة أخذنا نستعد لتدخل السلطات. [هيئة التحرير: 48 ساعة هي أقصى فترة يمكن للمحتجزين أن يظلوا فيها خارج مركز الاحتجاز هولوت قبل أن يلقى عليهم القبض ويرسلون إلى سجن مغلق]. وقد أحضر الرجال كل أمتعتهم معهم وبما أننا قد أحضرنا سيارتين فقد عرضنا عليهم أنا ورفاقي أن يستأمنوننا على أمتعتهم الثمينة. وكم تأثرت إذ أعطاني رجل إريتيري ألبوم صور عائلي كان أغلى ما يملكه.

"محطة" شحن الهواتف المحمولة.

 
"أوقعتهم الشرطة أرضا ثم انهالت عليهم بالضرب والركلات"

أتت قوات هائلة لتوقيفهم: الشرطة والجيش من عدة وحدات، حتى أن بعضهم كان على ظهر الخيل فيما كان آخرون يحملون خراطيم المياه. وشرعوا في سحب الرجال واحدا تلو الآخر إلى داخل حافلات وكان هناك أربعة أو خمسة من أفراد الشرطة على كل مهاجر وتصرفوا بعنف معهم. إذ أوقعوهم أرضا وانهالوا عليهم بالضرب والركلات وكان بعضهم يشتمهم بالعبرية. حاولت أن أحمي شابا من المهاجرين فتعرضت للشتائم ودُفعت بعيدا. واستمر ذلك أكثر من ساعتين. وتطاير الغبار مشكلا سحابات وانبعث رذاذ الفلفل المسيل للدموع وصار المكان كأنه جهنم على الأرض. وقام الصحافيون القلائل الذين كانوا هناك بما في وسعهم لتوثيق ما يحدث لكن العديد من الناس ممن كان معهم كاميرات وجدوا ضباط الشرطة باللباس المدني ينتزعونها منهم. وجاء العديد من ممثلي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لكنهم كانوا عاجزين عن التدخل ولا حيلة لهم إلا أن يشاهدوا ما يجري.

مهاجرون يتعرضون للاعتقال.

رأيت رجالا مصابين ومنهم من كان مصابا في ركبته ولا يستطيع المشي. وقد أصيب شابان بغيبوبة وأعرف أن أحدهما مصاب بداء السكري. واضطررت لإقناع المسعفين بأن يستخدموا النقالات بدل سحب المصابين على الأرض.

ومزقت الشرطة الخيام قطعة قطعة. وأنقذنا ما استطعنا من أمتعة المهاجرين في الساعات الأولى من الصباح. واستغرق الأمر وقتا طويلا للعودة إلى تل أبيب، بسبب ثقوب في ثلاث عجلات لإحدى سيارتينا.

لقد شاهدت سابقا العديد من الاحتجاجات كان الناس يصابون فيها بأعيرة نارية، لكنني لم أر أبدا شيئا مثلما رأيته هذه المرة. كم كان مؤلما أن نرى هؤلاء الرجال الضعفاء للغاية والذين هربوا من العنف والمناهضون بشدة للعنف وهم يلقون هذه المعاملة.
 
وقد نقل المعتقلون إلى سجن صحارونيم المغلق غير بعيد عن مركز اعتقال هولوت. ولا نعرف إن كانوا سيستبقونهم هناك أم سيعيدونهم إلى مركز هولوت.

فيديو آخر لاعتقالات يوم الأحد.

فيديو صوره أحد المهاجرين ويظهر عليه المخيم العشوائي المؤقت قبل اعتقالات يوم الأحد.
ترجمة: عائشة علون