مصر

عمليات اقتصاص وثأر وحشية تتفشى في مصر

 شهدت عدة قرى مصرية في الأشهر الأخيرة عمليات إعدام وحشية للغاية. غالبا ما تقدم مجموعة من الأهالي على تعليق جثث هامدة لمن أعدموهم في القرية. وهذه المشاهد صدمت من هوْلها مراقبينا اللذين يعيشان في مناطق نائية حيث يبدو أن العنف الشديد قد أصبح أمرا اعتياديا. وإليكم شهادتهما.  

إعلان

صورة عن شاشة فيديو هواة يظهر عليها إعدام رجلين على يد حشد غاضب في قرية محلة زياد يوم 17 مارس/آذار الماضي.

 

شهدت عدة قرى مصرية في الأشهر الأخيرة عمليات إعدام وحشية للغاية. غالبا ما تقدم مجموعة من الأهالي على تعليق جثث هامدة لمن أعدموهم في القرية. وهذه المشاهد صدمت من هوْلها مراقبينا اللذين يعيشان في مناطق نائية حيث يبدو أن العنف الشديد قد أصبح أمرا اعتياديا. وإليكم شهادتهما.

  

جرت آخر عملية إعدام علني في قرية "محلة زياد" بمحافظة الغربية يوم الأحد 17 مارس/آذار. إذ تعرض مصريان متهمان بالسرقة للضرب حتى الموت على يد مجموعة من الأهالي الذين علقوا جثتيهما أمام الملأ. فقد قبض عليهما أهالي القرية واتهموهما بمحاولة اختطاف فتاة عمرها أربع سنوات وسرقة عربة "توك توك" لإتمام الاختطاف.

 

وعلى غرار معظم عمليات الإعدام، صوّر الأهالي هذا المشهد على نطاق واسع. وقد تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي هذه المشاهد المريعة لجثتي الرجلين الداميتين وهما عاريين وقد عرضا على الملأ. ونحن ارتأينا الاكتفاء بنشر صورة عن الشاشة.

 

صورة عن شاشة فيديو هواة يظهر عليها إعدام رجلين على يد حشد غاضب في قرية محلة زياد يوم 17 مارس/آذار الماضي.

 

للأسف هذا العمل الوحشي ليس الوحيد من نوعه. فقد سجل في محافظة الشرقية [شرق مصر] ما لا يقل عن 17 عملية إعدام منذ ثورة 2011. وأحد هذه الفيديوهات الذي يظهر إعدام شخص متهم بالقتل مع شريكه في قرية الحسينية في فبراير/شباط الماضي قد نشر منذ أيام على الإنترنت. هذا الشخص الذي اعدم متهم بقتل ابن عمه بعد أن اختطفه بغرض طلب فدية. انهالت عليه الجموع الجامحة هو وشريكه بالضرب حتى الموت وأحرقا وعلقا من قدميهما على عمود. وفي الفيديو يسمع صوت رجل وهو يقول باللهجة المصرية (ونورده هنا بالفصحى): "هو حسين قتل ابن عمه من أجل المال. لقد اقتصصت لك يا ولدي، اقتصصت لك!"

 

صورة عن شاشة فيديو يظهر إعدام رجلين متهمين بالقتل في فبراير/شباط الماضي في محافظة الشرقية.

 

وقد أدان وزير العدل المصري أحمد مكي بشدة هذه الأعمال في الإعلام مؤكدا أن "اقتصاص المواطنين بأنفسهم من "البلطجية" واللصوص يعني موت الدولة". واعترف بفشل السلطات قائلا: "إن الحكومة التي لا تستطيع حماية مواطنيها هي حكومة ظالمة".

 

أما الشرطة التي اتهمت بالتقاعس فقد اشتكت من أن قلة الإمكانيات والعناصر تمنعها من أداء وظيفتها فيما يشهد البلد تفشي الإجرام.

"أخاف أن يغرق البلد في حرب أهلية حقيقية"

مصطفى أمين ناشط في إحدى الجمعيات يعيش في محلة زياد في محافزة الغربية حيث نفذ آخر إعدام حتى الآن.

  

الشرطة مغلوب على أمرها لأن عليها التعامل مع المظاهرات والمسيرات العديدة التي تهز أرجاء البلد منذ سقوط حسني مبارك في يناير/كانون الثاني 2011. وهذا الوضع موات لظهور موجة كبيرة من الإجرام وتكاثر حوادث الاختطاف والسطو المسلح. وفي ظل غياب الشرطة من الشوارع، شكل العديد من المواطنين مؤخرا مجموعات للدفاع عن النفس من أجل الحماية وإحدى هذه المجموعات هي التي نفذت إعدام الرجلين في محلة زياد.

 

أرى أن النائب العام طلعت إبراهيم مسؤول بقدر كبير عما حدث في قريتنا. فقد أطلق مؤخرا نداء للمواطنين لكي يقبضوا بأنفسهم على اللصوص أو المخربين بالجرم المشهود لكي يغطي غياب الشرطة لأنها كانت آنذاك مضربة عن العمل. وهو بهذا قد شجع الأهالي على الاقتصاص بأنفسهم.

 

هذا قرار كارثي يفتح الباب أمام شتى التجاوزات. إذ أصبح بوسع كل من هب ودب أن يتهم جارا أو زميلا لا يستلطفه بأي جريمة ويحرض الناس على قتله. ومن قال إن هذين الرجلين اللذين أعدما في محلة زياد قد أذنبا فعلا؟ لقد زعم من زعم أنهما سرقا عربة "توك توك" وأنهما خطفا أطفالا، لكن لم يظهر أي دليل على ذلك. وقد قتلا وعلقا في ساحة تقع أمام مدرسة فيها أطفال! أتمنى أن يعود الأمن بسرعة لأنه إذا استمر الوضع هكذا أخاف أن يغرق البلد في حرب أهلية حقيقية.

    

"في الشرقية، كانت عمليات الإعدام موجودة قبل الثورة لكنها تكاثرت مؤخرا"

حازم إبراهيم يعيش في الزقازيق بمحافظة الشرقية التي شهدت 17 عملية إعدام في ظرف عامين.

  

ينفذ هذا النوع من العقوبة بضرب الشخص حتى الموت واقتياد المذنبين إلى ميدان عام اسمه "الحرابة" [هيئة التحرير: عقوبة سارية أيضا في السعودية حيث تنفذها السلطات لا الأفراد]. وللأسف كل أهالي قرى محافظة الشرقية تقريبا معتادون على الاقتصاص بأنفسهم. إذ يقبضون على اللصوص وينهالون عليهم بالضرب -حتى الموت أحيانا. [في الحالات الأخيرة، قدم لصوص إلى الشرطة بعد أن ضربوا]. هذه قرى صغيرة وكل سكانها يعرفون بعضهم بعضا، لذلك سرعان ما يتعرف الأهالي على اللصوص والمغتصبين ويعاقبونهم. ولقد كانت هذه الأعمال موجودة قبل الثورة وتستهدف تحديدا المغتصبين. لكم منذ سقوط حسني مبارك تكاثرت عمليات الإعدام العلني. ويعزى ذلك مباشرة إلى غياب الأمن المتزايد.

 

وفي معظم الحالات لا تتدخل الشرطة لمنع هذه الأعمال لأنها في رأيي لا تريد إثارة غضب الأهالي عليها في ظل علاقتها المتوترة جدا معهم منذ الثورة. وقد فتحت تحقيقات في الحالات الأخيرة المبلغ عنها لكنها لم تسفر عن شيء بعد. وعلى حد علمي لم توجه أية إدانة بالقتل لأحد بعد حالات الاقتصاص الشعبي التي حدثت في المنطقة. 

 

حررت هذه المقالة بالتعاون مع جمال بالعياشي، صحافي في فرانس 24.

ترجمة: عائشة علون