صور غرافيتي التي رسمها سمعان خوام.
 
سمعان خوام، فنان غرافيتي حكم عليه يوم الأربعاء في بيروت بتهمة "زعزعة الأمن العام" بعد أن رسم على حيطان العاصمة رسوما تمثل جنودا مسلحين وتعود بالأذهان إلى الحرب الأهلية بين المسلمين والمسيحيين. وهذا موضوع من المحظورات بالنسبة إلى الدولة اللبنانية.
 
طوال عدة سنوات كان سمعان خوام يرسم بالغرافيتي على حيطان بيروت، وقد رسم في أيلول/سبتمبر 2011 أول غرافيتي يمثل جنود الحرب الأهلية (1975- 1990) وهم يرتدون خوذات وجزمات ويحملون الرشاشات. ورغم أن الغرافيتي المنتشر جدا في لبنان وخاصة في بيروت لم يمنع أبدا بصفة رسمية، فهذه الرسوم قد تكلفه غرامة قدرها مليون ليرة لبنانية [نحو500 يورو] أو السجن ثلاثة أشهر كما طالب بذلك المدعى العام.
 
بعض رسامي الغرافيتي خضعوا من قبل للرقابة في لبنان وخصوصا بعد أن عبروا عن تضامنهم مع الثورة السورية على حيطان العاصمة، وهذه حركة لا تؤيدها أغلبية الحكومة اللبنانية. لكن السلطات كانت تكتفي إلى حد الآن بطلاء الحيطان التي عليها غرافيتي.
 
هنا، تمت تغطية شعار "سوريا حرة حرة". صورة نشرت على مدونةBeirut Walls.
 
وريثما يصدر حكم المحكمة في 25 حزيران/يونيو، أعرب رسامو غرافيتي من مصر وفلسطين عن تضامنهم مع سمعان خوام.
 
رسم للفنان المصري جنزور نشر على صفحة سمعان خوام على فيس بوك.

"رسومي لا تقتصر على موضوع الحرب الأهلية الحساس، بل تمثل الجيش الذي يعد من أهم المحظورات في البلد"

سمعان خوام فنان رسام وشاعر يعيش في بيروت.
 
في أيلول/سبتمبر 2011 كنت أرسم الغرافيتي على حائط في حي "كارانتينا" مخصص لهذا الغرض عندما أوقفني عنصران من المخابرات العسكرية. وسألاني عما كنت أرسم فشرحت لهما، ثم طلبا مني التوقف عن الرسم وذهبا. لكن بعد قليل جاء رجال الدرك ليلقوا علي القبض. وفي المخفر، أخذوا إفادتي وأرغموني على توقيع ورقة تفيد بأني أتعهد بالكف عن رسوم الغرافيتي أيا كان الموضوع. وطبعا، لم ألتزم. فاستدعوني مرتين. وفي المرة الثالثة رفضت الذهاب إلى المخفر. وفي صباح من شهر شباط/فبراير، وجدت في صندوق بريدي استدعاء إلى المحكمة.
 
اتهمتني الدولة اللبنانية بانتهاك القانون دون أن تحدد أي قانون. لكن وهذه هي أهم حجج المحامي الذي أوكلته الدفاع عني لا وجود لأي نص قانوني في لبنان ينفي الحق في رسم الغرافيتي. وهذه الرسوم تملأ الحيطان! بعض الأصدقاء اقترحوا علي دفع الغرامة قبل موعد جلسة المحكمة للخروج من المأزق لكني رفضت. أرفض أن أتنازل أمام ضغوطهم وأريد أن أدفعهم إلى الاعتراف بأنهم يمارسون الرقابة.

"رسمت هؤلاء الجنود لكي أذكر بما حدث لأنني أرى منذ عدة سنوات عودة شبح الطائفية كما في الماضي"

عنوان سلسلة الرسوم هذه "كي لا ننسى". رسمت جنودا يحملون رشاشات لكنهم لا يحملون أي رمز لأي طائفة كي ألفت النظر إلى المسؤولية المشتركة لجميع الطوائف في الحرب. وكتبت تحت كل رسم التواريخ الحاسمة في هذا النزاع: 1976 للتدخل السوري في لبنان و1982 للاجتياح الإسرائيلي لبيروت ومجازر صبرا وشاتيلا [مجزرة ارتكبتها مليشيات حزب الكتائب المسيحي في مخيمي اللاجئين الفلسطينيين المذكورين غرب بيروت بتواطؤ مع عدة قادة في الجيش الإسرائيلي].

هذا التذكير بدا لي ضروريا لأنني أرى منذ عدة سنوات عودة شبح الطائفية التي أدت إلى الحرب الأهلية. ومنذ انتخابات 2005 التي شهدت عدة أعمال عنف [موجة من الهجمات الطائفية والاغتيالات السياسية قد اجتاحت البلد ذهب ضحيتها رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري]، بدأنا نرى عودة استخدام عبارات كانت متداولة إبان الحرب الأهلية: الناس يتحدثون عن بيروت وبيروت الغربية [العاصمة اللبنانية قسمت خلال الحرب حسب "خط أخضر" يفصل بين مسلمي بيروت الغربية ومسيحيي بيروت الشرقية] وانتشرت تهديدات طائفية مبطنة وعاد تداول الأسلحة. وأصبح هناك مناطق محددة لهؤلاء ومحرمة على أولئك كالضاحية الجنوبية لبيروت، وهي معقل حزب الله، حيث لا يستطيع الشيعة الدخول. وخلاصة القول إننا مرتبطون بالطائفة وقد أصبح من المستحيل أن نكون مجرد لبنانيين ببساطة.

"لم يعد بإمكاننا الحديث عن أي شيء خوفا من خدش مشاعر هذه الطائفة أو تلك"

هذه السلسلة من الرسوم لقيت ردة فعل مختلفة لأنني لا أتطرق إلى موضوع حساس كالحرب الأهلية فحسب، بل لأن تمثيل الجيش من أهم المحظورات في البلد. وكان أحد رسامي الغرافيتي اسمه علي من قبلي قد رسم رجال شرطة مع جملة تقول "أحب الفساد". وقد غطيت هذه الرسوم فورا بالدهان. لكن حالما تمس بالجيش تسارع السلطات العليا إلى الرقابة.

حملة فسخ رسوم الغرافيتي "أنا أحب الفساد" في حي الحمرا في بيروت. صورة نشرت على المدونةBeirut Walls.
 
حالتي ليست إلا مثالا من بين أمثلة عديدة للمساس بحرية التعبير يوميا في لبنان. وعدد كبير من الجرائد ووسائل الإعلام الموجودة ليست إلا وهما. حرية التعبير وهم نتشدق بها لكن المحظورات موجودة وتتمحور حول ثلاث محظورات هي: السياسة والدين والجنس. وأصل هذه المحظورات هو دائما طائفي. كل طائفة تحاول فرض آرائها. [لبنان يضم 18 طائفة دينية تتوزع بين مسلمين(59%) ومسيحيين (39%) وأقلية يهودية. والدولة يحكمها نظام معقد لتوزيع السلطات بين الطوائف، المناصب العليا في الدولة تعين حسب الطائفة: الرئيس يجب أن يكون مسيحيا مارونيا ورئيس الحكومة مسلما سنيا ورئيس البرلمان مسلما شيعيا.] وهذه الطائفية تنخر المجتمع. اليوم ممنوع الحديث عن الجيش وعن الثورات العربية وعن رئيس الجمهورية وعن حزب الله الخ حتى لا تخدش مشاعر هذه الطائفة أو تلك. يجب أن يفهم الناس أن لا شيء مقدس وأنه يجب أن يكون لنا الحق في انتقاد أي شيء. لكن هذا لا يتسنى إلا في دولة علمانية.
الجندي الذي رسمه سمعان خوام.
 
"سمعان خوام حر"، رسم تضامن مع سمعان خوام. الصورة منشورة على فيس بوك على صفحة Stop Cultural Terrorism in Lebanon.
تم تحرير هذا المقال بالتعاون مع سارة قريرة، صحافية في قناة فرانس 24.