تحقيق

المملكة العربية السعودية: ميلاني، عاملة منزلية أجبرت على الدعارة ودفنت بجرار

دفنت هذه الشابة ذات الاثنين والعشرين ربيعا في مقبرة لغير المسلمين شمال الدمام على الساحل الشرق للمملكة العربية سعودية.
دفنت هذه الشابة ذات الاثنين والعشرين ربيعا في مقبرة لغير المسلمين شمال الدمام على الساحل الشرق للمملكة العربية سعودية. © مراقبون

هاجرت ميلاني ذات الاثنين والعشرين ربيعا مثلها مثل مئات الملغاشيات الأخريات إلى المملكة العربية السعودية للعمل هناك كمعينة منزلية. وفي 15 آذار/ مارس، أظهر مقطع فيديو عملية دفن المرأة الشابة، إذ تمت الاستعانة بجرافة لردمها بالتراب في مقبرة لغير المسلمين شرق البلاد. وأدت هذه الحادثة إلى صدمة في مدغشقر حيث تعتبر تقاليد الدفن مقدسة. وتندد جمعيات بتجارة بالبشر قاتلة للعاملات القادمات من شرق القارة الأفريقية في هذا البلد الخليجي.

إعلان

في 15 آذار/مارس، أخطرت جمعة ملغاشية-فرنسية فريق تحرير مراقبون بخصوص هذا الفيديو الذي صور يوم 11 آذار/مارس بمدينة الجبيل التي تقع على الساحل الشرقي للسعودية. ونرى في المقطع المصور عملية دفن تدور في مقبرة الجبيل وهي واحدة من المقابر النادرة المخصصة لغير المسلمين في البلاد.

وتم تصوير الفيديو الذي تبلغه مدته دقيقة بالكاد من قبل إحدى النساء الملغاشيات اللاتي حضرن عملية الدفن. وفي أرض رملية يبدو أنها صحراوية، قامت جرافة بردم جثة ميلاني بالتراب وهي ملفوفة في كفن وهو النسيج الذي يلف فيه الجسد لدفنه حسب الأعراف الإسلامية. ونستمع إلى صيحات الأسى التي أطلقتها النساء الملغاشيات اللاتي كن يرتدين عباءات سوداء فيما تحاول السيدة التي تصور المشهد تهدئتهن. وكانت ميلاني عاملة منزلية بعد أن وصلت إلى المملكة سنة 2018. وتوفيت ميلاني بطريقة عنيفة بعد أن هربت من بيت مشغلها في مدينة الدمام شرق البلاد.

"أخطرت ميلاني صديقاتها أنها إن لم تعد إلى البيت في تلك الليلة، فإنها ستقتل"

وأشعرت جمعية "أزيغ" الفرنسية الملغاشية التي تتولى تقديم الدعم الإداري والنفسي للعاملات الملغاشيات والأفريقيات في الدول التي تصنف على أنها خطيرة بالنسبة إلى العمال الأجانب فريق تحرير مراقبون فرانس24 بهذا الفيديو. وعلى غرار عدد كبير من العاملات الملغاشيات في دول الخليج، كانت ميلاني في تواصل مع كوروزا هيلياريزوا، منسقة الجمعية التي تعمل من فرنسا.

كوروزا هيلياريزوا
منسقة جمعية "أزيغ"
فرنسا/ مدغشقر

ومنذ سنة 2019، تقدم هيلياريزوا المساعدة للمعينات المنزليات من أجل إجلائهم من الكويت وسلطنة عمان والسعودية. وتعتبر هيلياريزوا أن ميلاني، التي تحولت للعمل في الدعارة بعد هربها من بيت مشغلها، قد توفيت في ظروف مريبة. وتروي تسلسل الأحداث كما نقلتها لها صديقات الشابة:

 

في اليوم الذي قتلت فيه ميلاني، اتصل بها زبون وحجز غرفة في فندق، وقال لها إنه لوحده ولكن عندما التحقت به في الفندق، وجدت عددا كبيرا من الأشخاص. اتصلت ميلاني بصديقاتها قائلة لهم إنها إن لم تعد في الموعد المحدد فإنها ستكون قد ماتت.

لقد كانت تحمل مبلغا ماليا كبيرا في حوزتها. وعندما انتهى الموعد، قاموا بذبحها ومن المؤكد أنهم استولوا على الأموال. ثم تلقت صديقتها صورة صادمة للغاية، نرى من خلالها جسدها المشوه والمغطى بالدماء ملقى على ملاءة مع الرسالة التالية: "إليكم صديقتكم الميتة".

Certificat de décès de Mélanie, datant du 9 septembre 2020, envoyé par la police de Jubail à l'ambassade de Madagascar en Arabie Saoudite. On y lit qu'elle est décédée "suite aux fractures traumatiques à la poitrine et au ventre causées par une chute d'un immeuble."
Certificat de décès de Mélanie, datant du 9 septembre 2020, envoyé par la police de Jubail à l'ambassade de Madagascar en Arabie Saoudite. On y lit qu'elle est décédée "suite aux fractures traumatiques à la poitrine et au ventre causées par une chute d'un immeuble." © AZIG
 

بعد ذلك، تم العثور على جثة ميلاني في غابة بمدينة الدمام في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020. قمت بإخبار سفارة مدغشقر في الرياض، ولكن لا أحد تحرك وبقي جسدها في الطبيعة لمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. في تلك اللحظة، أي في تشرين الأول/أكتوبر، كان مطار الرياض مغلقا عندما اضطرت حوالي خمس وثمانين امرأة ملغاشية إلى مغادرة السعودية بعد إنهاء عقود عملهن. وحينها تولت السفارة الملغاشية الحصول على جثتها. ومكنتني عائلتها من ترخيص لإجلاء جثمانها.

وفي النهاية، تم دفن ميلاني دون تابوت. إنه أمر لا يمكن التسامح معه. ففي مدغشقر، يحظى الموتى باحترام كبير ومراسم الجنازة يجب أن تتم في تقاليد محددة بدقة.

"هؤلاء النسوة يحصلن على مبلغ يتراوح بين 400 إلى 500 يورو عن كل زبون حسب لون بشرة البنت: كلما كانت بشرتها فاتحة كلما تتحصل على أجر أعلى"

في سنة 2019، تم العثور على بنت كنت مكلفة بإجلائها مدفونة هنا. مدينة الدمام وكر للدعارة. هناك عدد كبير من النساء الملغاشيات اللاتي يقمن بدور الوسيط في الدعارة ويشتغلن في معظم الأحيان مع وسطاء دعارة من كينيا وإثيوبيا في تلك المنطقة. تتولى تلك الفتيات إرسال الأموال عبر هؤلاء الوسطاء الذين لا يرسلون المبلغ الى ذويهن كاملا أبدا.

يحدث أن تتعرض تلك النساء الشابات إلى القتل على يد مشغلهن، خصوصا إذا ما تمكنّ من جمع ما يكفي من المال للعمل لوحدهن. وحسب معلومات تمكنا من جمعها، من المرجح أن هذا ما حدث مع ميلاني. كما أن العوائل غير عالمة بنمط عيش بناتها.

يتعرض عدد كبير من النساء اللاتي يعملن كمعينات منزليات إلى سوء المعاملة ولا يحتملن الوضع ويلجأن إلى الهرب. يجدن أنفسهن دون وثائق إقامة ويتولى وسطاء الدعارة انتدابهن ويسكنّ في منزل متوار عن الأنظار حيث تتم حراستهن بالبنادق النارية. ويحصلن على أجر يتراوح ما بين 400 و500 يورو عن الزبون الواحد حسب لون بشرة البنت: كلما كانت بشرتها فاتحة كلما ارتفع الأجر الذي تحصل عليه.

يتراوح عمر الفتيات اللاتي يتم انتدابهن بين ستة عشر وخمسة وعشرين عاما، وعندما يغادرن مدغشقر يكذبن بشأن عمرهن الحقيقي. تجد تلك الفتيات أنفسهن لوحدهن، وإذا لم نكن نحن كجمعيات متواجدين إلى جانبهن، فإن الأمر بمثابة المنتهي بالنسبة إليهن. في وقت سابق، تحتم علي التدخل عبر اتصالات هاتفية لتهدئة شابات كن مقبلات على الانتحار.

كما يوجد هناك مشغلون يقومون بتعنيف وقتل الفتيات ودفنهن في مكان ما. ولكن من المستحيل التحقق من ذلك. كم من فتاة ملغاشية اختفت؟ أين هم مشغلوهن، ما رأيهم في الموضوع؟

في سنة 2013، أصدرت السلطات في مدغشقر أمرا يقضي بتعليق هجرة العاملات الملغاشيات إلى دول الخليج وخصوصا منها الكويت والسعودية بالإضافة إلى لبنان، التي تصنف من بين أسوأ الوجهات في العالم للعمال والعاملات حسب مؤشر الفدرالية النقابية الدولية لحقوق العمال عبر العالم لسنة 2019. وبالرغم من ذلك، يسكن المملكة عشرة ملايين عامل أجنبي أي ما يعادل قرابة ثلث سكان البلاد، بينهم 1,3 مليون امرأة ثمانون بالمئة منهن يعلمن كمعينات منزليات.

تقرؤون أيضا على موقع مراقبون>> الكويت: خادمة إيفوارية تهرب بعد تعرضها للاحتجاز والتحرش الجنسي

"العاملات اللاتي يهربن من بيت مشغلهن مصدومات من تجربتهن ويرغبن ببساطة في مغادرة البلاد"

وأصدرت المملكة الوهابية سنة 2019 قانونا لمكافحة الاتجار بالبشر، يقضي بمعاقبة هذه الجريمة بالحكم بالسجن لمدة قد تصل إلى خمسة عشر عاما وبغرامة مالية قد تصل إلى مليون ريال سعودي (226779 يورو).

وبالرغم من ذلك، نادرا ما يتم رفع قضايا تتعلق بالإتجار بالبشر أو تصل التحقيقات إلى نتيجة، حسب تقدير ريما قالوش، المنسقة في مركز البحوث "مايغرنت رايتس" الذي يحصي التجاوزات التي تحدث بحق العمال المهاجرين في مجلس التعاون لدول الخليج العربية كما يحاول المركز تقديم الدعم القانوني والإنساني.

نركز عملنا على قطر والكويت والبحرين، وبالتالي فليس من السهل تقديم المساعدة للعاملات في السعودية على سبيل المثال. في بعض الأحيان، وفي محاولة يائسة، نطلق نداءات لتقديم المساعدة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ذلك نادرا ما يؤتي أُكله. نحاول أيضا الاتصال بالسفارات، فنحن نعرف أن السفارات الأفريقية على سبيل المثال لا تملك ملحقين للتكفل برعاياها، وهو ما يجعلنا نحاول البحث عمّن نعرفهم في عين المكان من هذه الجالية التي يمكن أن يقدم العون فورا.

في العموم، يتم إقصاء المعينات المنزليات من الإصلاحات التي تطال قوانين الشغل لأنه بالنسبة إلى الحكومة، لا يتم إدراجهن "بشكل فعلي" في نظام الشغل، وبالتالي لا أحد يضع مصالحهم ضمن أولوياته. وهو يفسر بأهمية حصول المواطنين على يد عاملة في المتناول. وذلك لأن الخدمات العامة السعودية (تعليم، صحة) متواضعة إن لم تكن غير موجودة أصلا كما أن وضع هؤلاء العمال يخول للمواطنين الاستفادة من هذه الرفاهية والحفاظ على سيطرتهم عليهم.

توجد ملاجئ لأولئك اللاتي يهربن من بيت مشغلهن، ولكن عددها يبقى قليل في دول مجلس التعاون الخليجي: على غرار البحرين والكويت، وهو ما لا ينطبق على الإمارات العربية المتحدة. وحتى في صورة وفرة هذا الملاجئ، يجب أن يكون العامل مرفوقا بمواطن محلي من أجل رفع شكوى وتسريع الإجراءات. وفي معظم الأحيان، بعد تقديم شكوى بسبب سوء المعاملة، تحاول السلطات القيام بوساطة بين الطرفين. ولكن العاملات اللاتي يهربن من بيت مشغليهن يتعرض لصدمة بسبب التجربة التي مررن بها ويجدن أنفسهن تائهات وسط الإجراءات البيروقراطية المتعبة ويردن ببساطة مغادرة البلاد.

"لا يمكن للعاملات اختيار مشغلهن، ولا يمكنهن العودة إلى بلادهن"

الأستاذ طه الحاجي هو محام سعودي متخصص في حقوق الإنسان. ويناضل من أجل حقوق المئات من العمال والعاملات الأجانب في بلاده على الرغم من العدد الكبير للقيود القانونية، على غرار استحالة التنظيم في جمعيات أو نقابات. ويذكر الحاجي أن الأجانب يخضعون لنظام الكفالة الذي ينص على أن يبقى جواز سفر العامل بحوزة المشغل، وهو ما يجعل الهرب أو حتى تقديم شكوى أمرا مستحيلا. ودخلت إصلاحات على هذا النظام حيز النفاذ في 14 آذار/مارس الماضي، ولكن لا تحمل هذه الإصلاحات أي أمل بالنسبة إلى العمال الأكثر هشاشة.

هذه القوانين الجديدة لا تحمي العاملات: فهن لا يملكن حرية اختيار مشغلهن، كما لا يمكن لهن العودة إلى بلدهن الأصلي.

تقيم العاملات في معظم الأحيان في بيت مشغلهن ويقضين كل حياتهن خلف أبواب مغلقة، ولا نعلم ما يمكن أن يحدث لهن وراءها. ويشهد العدد الكبير من حالات الاستغلال الجنسي والتعذيب البدني وسوء المعاملة على ذلك.

يهرب عدد كبير من العاملات من بيوت مشغليهن وينتهي بهن الأمر إلى اللجوء للدعارة أو التسول. وبعد هربهن، يجدن أنفسهن مجبرات على الخضوع لشخص آخر من أجل الحصول على عمل. وفي هذا الحالة، يصبح الاستفزاز أكثر قسوة. فمنذ ذلك الحين، يدخل الشخص في حلقات خطيرة: من سوء المعاملة والإدمان وتجارة الجنس... ولا يمكن له التوجه إلى الهيئات الحكومية خوفا من إعادته إلى الكفيل أو حتى احتمال إيداعه السجن.

تقرؤون أيضا على موقع مراقبون>> المملكة العربية السعودية: عاملات منازل معروضات للبيع على الإنترنت

وتحصي وزارة الشؤون الخارجية في مدغشقر أكثر من 500 مواطنة ملغاشية في المملكة السعودية يعمل معظمهن كعاملات منازل. وارتفع عدد المهاجرين إلى السعودية من 830 ألفا إلى 2,42 مليون عامل أجنبي في غضون عشرة أعوام.