كنا في ميدان التحرير عندما أتى أحدهم يجري نحونا ليبلغنا بحالة تحرش. عند وصولنا، حاولنا أن نمر عبر المجموعة التي تطوق الفتاة. كان البعض يحمل عصيا وأحزمة كانت المجموعة تدفع الفتاة ضد سياج.
عندما وصلت إلى الفتاة، حاولت أن أهدئ من روعها وقلت لها عدة مرات: "اسمي مصطفى وأنا من مجموعة قوى ضد التحرش الجنسي". نظرت إلي حينها وأجابت :"أرجوك أنفذني" وتعلقت بي بينما كان الناس يدفعوننا أكثر فأكثر ضد السياج.
فجأة، أشعل أحدهم شمروخا فتراجع الناس. اغتنمت ورفاقي الفرصة لنبتعد بالفتاة ونختبئ في إحدى عمارات الشوارع المجاورة.
"صاروا يقطعون ملابس الفتاة إربا إربا"
لكن الأشخاص الذين كانوا يحاصروننا أخرجوا السكاكين وصاروا يقطعون ملابس الفتاة إربا إربا. كنت أشعر أنني لن أستطيع الإمساك بالفتاة طويلا نظرا للأيادي التي امتدت وصارت تجذبها من جميع النواحي.
بعد دقائق، فقدت الفتاة قميصها بينما كانت تحاول التشبث بي. لم أكن أرى وسط الجموع التي كانت تحاصرنا سوى شخصا أو اثنين من رفاق المجموعة.
تحت الضغط المستمر، سقطت البنت أرضا وأفلتت من يدي. حاول شخص أو اثنان أن يتمددوا فوقها، لا أدري إن كان ذلك بنية الدفاع عنها أو التحرش بها. رغم الضرب الذي كان ينهال علينا، نجت مع رفاقي في رفع الفتاة مرة أخرى. ولكن بمجرد أن أمسكناها حتى انهالت ضربة على رأسي.
فقدت توازني وتم دفعي بعيدا عن دائرة الأشخاص التي كانت تطوق الفتاة. لمست رأسي، كانت دامية. حاولت تجاوز الألم وذهبت لمساعدة الفتاة مرة أخرى. عندما كدت أصل إليها، أخرج أحدهم سكين مطبخ وهددني به، ثم أجبرني على التراجع.
"كنت أرى الفتاة وهي جالسة على الرصيف شبه عارية والمتحرشون حولها"
لا أعرف كيف تمكنت من الوصول إلى الفتاة مرة أخرى. أمسكت بذراعها مجددا وتوجهنا مع زملائي نحو الميدان عندما صاح أحدهم "ارجعوا يا أولاد ال***" ورمانا بزجاجة مولوتوف. اشتعلت ملابسنا نارا بينما لم يبق للفتاة سوى سروالها. تمكنا من إطفاء النار وواصلنا طريقنا نحو أحد مباني الميدان. أحسست فجأة بذراع تشدني من خلف ورجل يحاول إدخال يده في سروالي. لا أدري ما الذي دفعه إلى فعل ذلك لكنني دفعته حتى ابتعد عني.
عندما وصلنا قرب سياج آخر في ميدان التحرير، ضربت ثانية ودفعت من الجهة الثانية للسياج. كنت أرى الفتاة وهي جالسة على الرصيف شبه عارية والمتحرشون حولها. قفزت فوق السياج لأعود بجانبها وحاولت مع رفيقين أن نحملها حتى داخل مبنى "الكنتاكي" في ميدان التحرير لكننا لم نستطع أن نخلصها من قبضة المتحرشين.
لحسن حظنا، سألنا أحد باعة الميدان: "هل أنتم من المجموعة ضد التحرش؟". أجبناه بنعم فأخذ قارورة غاز كان يعد بفضلها الشاي وأضرم النار ثم هدد المتحرشين حتى تراجعوا وفكوا حصارهم عن الفتاة. اغتنم شابان الفرصة فنزعا قميصهما والسروال وأعطياهما للفتاة ثم ساعداها على المرور من الجهة الأخرى للسياج. لكن النار انطفأت وعاد المتحرشون إلى الهجوم.
"الشيء الوحيد الذي كنت متأكدا منه حينها هو أنني سأفعل ما في وسعي لحمايتها، رغم المئات الذين كانوا يطوقوننا"
كنا نتوجه نحو مبنى "الكنتاكي" عندما لحق بنا المتحرشون ودفعونا داخل مبنى مجاور. اثنين من الرفاق ساعداني على حماية الفتاة، رغم الضربات التي كانت تنهال علينا. حاول أحدهم وسط هذا المشهد أن يدخل يده في جيبي ويسرق هاتفي الجوال لكنني ضربته وصرخت "حرامي !" حتى أصرف انتباه من كان حولنا.
أذكر أنني في هذه الظروف نظرت للفتاة وقلت لها مجددا: "أنا من قوى التصدي للتحرش الجنسي وسوف نخرج من هنا، أعدك". لم أكن متأكدا بالمرة من ذلك. الشيء الوحيد الذي كنت متأكدا منه حينها هو أنني سأفعل ما في وسعي لحمايتها، رغم المئات الذين كانوا يطوقوننا.
فجأة، جاءتني فكرة: إن السبب الذي يجعل هؤلاء المجانين يهاجمونها هو أنهم يرون أنها فتاة. قررت نزع قميصي وطلبت من الفتاة أن تضع وأن تغطي رأسها بالقلنسوة. وهكذا استطعنا أن نهرب من قبضة المتحرشين الذين ظنوا أن من يصطحبني شاب وليس فتاة.
اتجهنا نحو "الكنتاكي" لكننا وجدنا الأبواب مقفلة عند وصولنا فواصلنا طريقنا. عندئذ، انتبه أحدهم أن الفتاة اختفت فعادوا يقتفون أثرنا. رأيت على بعد أمتار حارسا يغلق أبواب مبنى خوفا من اقتراب الحشود فركضنا نحوه. سقطت الفتاة أكثر من مرة وفي كل مرة كنت أرفعها وأدفعها نحو بوابة المبنى. نجحنا أخيرا في الدخول وأغلق الحارس الباب مباشرة وراءنا. لم أتمالك نفسي من السقوط أرضا. إحدى السيدات اللاتي يسكن العمارة خرجت من شقتها وقدمت لنا بعض الماء وهدأت من روعنا.
"تمكنت الفتاة من الخروج وتكلف رفاقي بحمايتها. لم تتح لي الفرصة لأراها مجددا"
أما الفتاة، فقد أجهشت بالبكاء. كانت تمسك بي من ذراعي وتطلب مني أن لا أتركها. كنت أسمع المئات أمام المبنى وهم يصرخون ويحاولون الدخول. وكانت الفتاة خائفة من أن يتكرر الهجوم والملاحقة.
مكثنا بعض الوقت في غرفة الحارس والفتاة مستلقية على سريره. اتصلت بأحد رفاقي من المجموعة حتى يرسل لنا سيارة إسعاف وبعض الملابس للفتاة لكن سرعان ما انتبهنا أنه من المستحيل أن نقوم بإخراج الفتاة من المبنى ما دام المتحرشون أمامه. من حسن الحظ أن الحارس اقترح عليّ أن نقوم بإخراج الفتاة من باب خلفي يصل العمارة بمطبخ "الكنتاكي". وهكذا تمكنت الفتاة من الخروج وتكلف رفاقي بحمايتها. لم تتح لي الفرصة لأراها مجددا.
كثيرا ما سمعت عن حالات تحرش واعتداء لكن أن تعيش الأحداث من الداخل فذلك أمر مختلف جدا. لم أكن أتخيل جحيما كهذا. لاحظنا منذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني أن مجموعات التحرش أصبحت تعتدي على الفتيات بطريقة منظمة. بعد أن خضت هذه التجربة، كل ما يسعني قوله لفتيات ونساء مصر اللاتي تعرضن للاعتداء: أنتن الأقوى والأعظم.
التعليقات
اذا الايمان ضاع فلا أمان
نشرها ... في ...اذا الايمان ضاع فلا أمان
الظواهر الا أخلاقية
نشرها ... في ...هذه المشاهد المؤسفة أصبحت ظواهر في معظم المجتمعات العربية وكنا نعزيها إلى الكبت الذي تعاني منه هذه الشعوب. لكن عندما نشاهد هذه التصرفات المسيئة في بلدان منفتحة جدا كمصر وتونس والمغرب وغيرها فهاذا ينفي ما كنا ندعيه من أسباب. ويبقى المفرح في هذا الأمر هم الشباب والفتيات ممن يحاربون هذه الظواهر من أمثال مصطفى قنديلي فلكم مني كامل الإحترام والتبجيل
انتم تقومون بواجب انساني
نشرها ... في ...جزاك الله خيرا يا مصطفى، انت ومن معك دليل على ان الخير لم ينقرض، حمى الله مصر وحمى أهلها من كل سوء.