الدراسة ببلد في أتون الحرب: شهادة طالبين سوريين

 
يوم الثلاثاء 15 يناير/كانون الثاني كان أول يوم في الامتحانات الفصلية وشهد مقتل أكثر من 80 سوريا معظمهم من الطلاب جراء تفجيرين في جامعة حلب. وكل من النظام والمعارضة المسلحة يلقي مسؤولية هذه المجزرة على الآخر. والآلاف في سوريا يحاولون التمسك بمتابعة دراستهم رغم الحرب. طالبان جامعيان أحدهم من جامعة حلب والآخر من جامعة دمشق يدليان بشهادتهما.
 
فيديو من داخل جامعة حلب بعد لحظات من الإنفجارين

 
طلاب حلب يؤكدون أن التفجيرين حدثا جراء غارة جوية، لكن المصادر العسكرية السورية توضح أن ذلك نتيجة "صاروخين أرض-جو [أطلقهما الثوار] لم يصيبا الهدف". أما المحافظ محمد وحيد العقاد فيتحدث عن "هجوم إرهابي".
 
ويوم الأربعاء أغلقت كل جامعات البلد حدادا بعد المجزرة التي كانت الأكثر دموية خلال الأشهر 22 من النزاع. وحسب وكالة الأنباء الرسمية "سانا"، أمر الرئيس بشار الأسد "بإصلاح ما دمر في الجامعة فورا لكي يتمكن الطلاب من متابعة دراستهم وامتحاناتهم". أما إدارة جامعة حلب، فقد قررت أن تؤجل إلى أجل غير مسمى الامتحانات المقررة يومي 16 و17 يناير/كانون الثاني.
 
ويتركز التعليم العالي في سوريا بين دمشق وحلب. جامعة العاصمة هي الأقدم والأكبر في سوريا وقد تأسست في بداية القرن العشرين وتضم 14 كلية. وهناك جامعات أخرى أصغر في مدن دير الزور وحمص واللاذقية.
 
جانب من جامعة حلب.
 
العديد من الطلاب اضطرتهم الحرب للجوء إلى البلدان المجاورة حيث يحاول عدد منهم متابعة تعليمهم. في لبنان يلتحق الأكثر ثراء بالجامعات الخاصة، فيما يعاني غيرهم للحصول على شهادات أو حتى على معادلات شهاداتهم. لا شيء لمساعدة هؤلاء الطلبة عندما يذهبون إلى العراق أو الأردن. وتظل تركيا الاستثناء بين البلدان المستقبلة للاجئين، إذ تسمح أنقرة للطلبة الجامعيين السوريين الحاصلين على بطاقة اللاجئ بالدراسة في بعض الجامعات التركية. نحو 77 مقيما في مخيمات اللاجئين مسجلون في مستوى الإجازة و10 غيرهم في مستوى "الماجستير" في تركيا. 
المساهمون

"منذ عامين والأجواء ليست مواتية للدراسة فالجامعات مطوقة كأنها منطقة عسكرية."

أبو تيم (اسم مستعار) يدرس في جامعة حلب وهو المتحدث باسم مجموعة من الطلاب.
 
شخصيا، هذه السنة لم أستطع حضور المحاضرات، لكني ذهبت أمس مع ذلك كي أتدارك ما تبقى من العام الدراسي، علما أن العام الماضي قد ضاع مني أصلا. لكن بعد الانفجار، قررت عدم العودة مرة ثانية.
 
منذ العام الماضي [العام الدراسي 2011-2012]، الطلاب الذين ما زالوا يأتون لا يحضرون المحاضرات "العمليّة" نظرا لأن الغياب ثلاث مرات يقصي صاحبه، عكس المحاضرات "النظرية" التي لا تستلزم الحضور.
 
جامعة حلب هي أول معاقل الاحتجاج في المنطقة، وقد طرد الطلاب من هنا بسبب اتصالاتهم ببعثة الأمم المتحدة التي زارت المدينة
 
صورة لمدخل كلية الفنون الجميلة في جامعة حلب
 
لكن هناك أيضا طلبة يؤيدون النظام. وهؤلاء يحظون بشكل واضح بمعاملة أحسن من الإدارة.
منذ عامين والأجواء ليست مواتية للدراسة فالجامعات مطوقة كأنها منطقة عسكرية. علينا اجتياز ثلاثة حواجز قبل الوصول إلى الحرم الجامعي: الأول في قبضة الجيش والثاني في قبضة قوات الأمن والثالث تحت سيطرة لجان الدفاع الشعبية [لجنة الحي مكونة من الشبيحة]. ورغم كل هذه الإجراءات "الأمنية"، استطعت الدخول أمس بعد رشوة الواقفين على الحواجز، وبعض الطلبة يحاولون القفز على الأسوار بفضل تواطؤ بعض الأساتذة أو بعض موظفي الإدارة.
 
"التنقل بسيارة الأجرة إلى الجامعة ارتفع من 5 ليرات إلى 250 ليرة"
 
مؤخرا لم يعد يتجاوز عدد الطلبة الحاضرين 10% من مجموع المسجلين الذين يكون عددهم 80 ألف في الظروف العادية [أرقام 2008]. لكن رغم هذا الغياب جاء عدد كبير من الطلبة لاجتياز الامتحانات الفصلية الأخيرة. كان يمكن للجامعة أن تراعي الصعوبات التي يعاني منها الطلاب عبر تحديد مواد معينة للنجاح فيها، لكنها لم تفعل.
 
صورة لطلاب قبل دقائق من التفجيرين
 
الأمر لا يقتصر على المشكلات الأمنية. مثلا سعر التنقل بسيارة الأجرة من وسط حلب إلى الجامعة ارتفع من 5 ليرات قبل الأحداث إلى 250 ليرة حاليا، أي ما يعادل 500 ذهاب وإياب بالسعر السابق. كثير من الطلبة لم يعد عندهم الإمكانيات للذهاب إلى الجامعة. ومن يحضرون المحاضرات هم من يسكنون بالجوار.
 
فيديو لمظاهرة طلابية في دمشق تضامنا مع طلاب حلب
 
نحاول المطالبة بالحق في حياة طلابية رغم النزاع ورغم العنف. ورغم أن بعضنا تظاهر وأنا منهم نظل طلابا لم يجنحوا أبدا للعنف.

"الحواجز المتعددة وساحات المعارك جعلت طريقي يطول من 5 كم إلى 50 كم"

أبو بسام طالب في السنة الأخيرة في كلية الهندسة بجامعة دمشق.
 
كان يفترض أن أحصل على شهادة الهندسة عام 2013 لكن في العام الماضي لم أحضر إلا محاضرات الفصل الأول. وهذه السنة سجلت فقط دون أن أذهب أبدا إلى المحاضرات. لم أحضر أي امتحان منذ ذلك الوقت. لذلك فهذه السنة هي ثاني سنة لي بلا دراسة.
 
كنت في السابق أستقل النقل العمومي للذهاب من ضاحيتي إلى الحرم الجامعي لكن الحواجز المتعددة وساحات المعارك جعلت طريقي يطول من 5 كم إلى 50 كم. أنا أسكن في منطقة فيها المعارضة المسلحة، وأنا معرض لخطر حقيقي بالدخول في المناطق الموالية حيث توجد الجامعة. صحيح أن بعض الطلبة أصحاب الإمكانيات استأجروا شققا أو غرفا قرب الجامعة، لكنهم قلّة. وكثير منهم يعترضون لإزعاج قوات الأمن، وبعضهم تعرضوا للسجن. حتى من يحاولون متابعة دراستهم عن بعد يواجهون مشكلات أساسية كانقطاع الكهرباء والإنترنت.
 
"الأساتذة يقدمون أدنى ما يمكن تقديمه"
 
قوات الأمن والمخابرات حاضرة بقوة في كل حرم جامعي. أما بالنسبة إلى المحاضرات، فالأساتذة يقدمون أدنى ما يمكن تقديمه. وإذا حاولنا أن نشرح الصعوبات التي تعرقل حضورنا - وخاصة أن جميع محاضراتنا "عملية" أي إجبارية- فقد نعرض أنفسنا لمتاعب ونصبح مشبوهين. لحسن الحظ بعض الأساتذة أكثر تفهما مع الطلاب من أمثالي. لكن بطريقة لا تلفت الأنظار لأن المخاطر كبيرة عليهم. ما ينبغي معرفته أيضا هو أن تعديلات جرت في رئاسة الجامعة وإدارتها وجميع الأسماء الجديدة مقربة من النظام
تم تحرير هذا المقال بمشاركة وسيم نصر (@SimNasr)، صحافي في فرانس24
Close