أطفال باكستانيون يقلدون العمليات الانتحارية في ألعابهم، إعجاب أم تضليل؟

 
ألعاب الأطفال الباكستانيين أثارت الصحافة الأنجلوساكسونية، فهي ليست كألعاب الأطفال العاديين وإنما هي ألعاب تنبع من السيرك السياسي الذي يشهده هذا البلد. الأطفال هناك يلعبون لعبة العمليات الانتحارية، لعبة تعكس مدى تأثرهم وربما إعجابهم بما يقوم به المقاتلون المناهضون للنظام هناك. بعض مراقبينا يشككون في صحة هذه الصور ويتساءلون ما إذا كانت مصطنعة بهدف تخويف الرأي العام الغربي.
 
صور الأطفال الذين يلعبون لعبة الحرب وإنما على طريقتهم كانت موضوع أحد مقالات جريدة "غارديان" البريطانية الصادرة في 28 فبراير الماضي. مراسل الجريدة في إسلام آباد أوضح إلى أي مدى تأثر الوعي النفسي لهؤلاء الأطفال بأعمال العنف التي يقوم بها مقاتلو طالبان في الأقاليم الباكستانية. وإذا ما كانت ضحكات هؤلاء الأطفال بعد كل انفجار وهمي يقومون بتقليده قد خدعت مشاهدي هذه المقاطع الفيلمية إلا أنها لم تخدع المنظمات الإنسانية كمنظمة "أنقذوا الأطفال" والتي حذرت من الصورة البطولية التي تملأ عيون هؤلاء الأطفال لأولئك المقاتلين الإرهابيين. جريدة يومية بريطانية أخرى وهي "دايلي ميل" تطرقت إلى نفس الموضوع بنفس الصورة الباعثة للأسى في عيون قرائها الغربيين مشيرة إلى ذلك الفيديو "الذي يحطم القلوب" على حد قولها.
 
أطلعنا مراقبينا الذين يعيشون في باكستان على هذه الصور ولكن معظمهم لم يشارك الصحافة البريطانية نظرتهم المحذرة. فهم يعتقدون أن هؤلاء الأطفال لا يمارسون لعبة تلقائية وإنما يقومون بالتمثيل بناء على تعليمات أحد الكبار فيما يبدو أنه رسالة إلى بقية العالم. ويعتقدون أن الصحافة البريطانية لم تبذل مجهودا للتحقق من مصدر هذا الفيديو فمن الصعب معرفة متى أو أين تم تصويره بالضبط.
 
نشر هذا التسجيل على موقع Youtube
 
المساهمون

"الشخص الذي صور هذا الفيلم هو أيضا من خلق السيناريو فيه ليجعلنا نعتقد أنها لعبة أطفال أبرياء، بينما هم في الحقيقة أطفال مضللون"

طاهر عمران ميان – منتج في إسلام آباد
 
هذا الفيديو لا يظهر أطفالا باشتون يلعبون ويستمتعون بتلقائية طفولية وإنما يعرض مسرحية هزلية أخرجها شخص راشد كما نستطيع أن نفهم من اتجاه نظرات الأطفال إلى الأعلى دائما، فهذا الشخص يريدنا أن نعتقد أنه هكذا يلعب الأطفال هنا ولكننا لا نستطيع أن نصدق ذلك لأن طريقتهم في اللعب ليست طبيعية كما أنهم لا يستطيعون التحكم في ضحكاتهم. أنا أعتقد بأن هؤلاء الأطفال استغلوا من أجل أهداف لم يتمكن من إخفائها بحرفية.
 
الشخص الذي نشر هذا الفيديو على الفيس بوك ينتمي إلى إقليم وزيرستان [منطقة جبلية تقع شمالي غرب باكستان على الحدود مع أفغانستان] وعندما اتصلت به أخبرني أنه يعمل سائقا في الشرق الأوسط وأكد لي أنه تلقاه كرسالة على هاتفه المحمول من أحد أصدقائه وأنه لا يعرف مصدره الأصلي. لاحظت بعد ذلك أنه قد أزاله من على صفحته في الفيس بوك فيما يبدو أنه خوف من أن تعتقد وسائل الإعلام أنه من يقف وراء تصويره.
 
وجود هذا الفيديو اليوم على الإنترنت لا يدع لنا مجالا للشك في أن هناك أهدافا محددة وراءه"
 
أظن أن هذا الفيلم صور في منطقة جبلية من باكستان [في مكان ما من المنطقة القبلية المدارة فيدراليا، وهي منطقة تقع شمالي غرب البلاد وتعتبر مركزا للصراع بين الجيش الباكستاني والمجموعات الإسلامية المتمردة] أو في وادي سوات [مقاطعة إدارية شمالي غرب باكستان خاضعة لمقاتلي طالبان منذ ديسمبر 2008]. الأطفال في الفيديو يرتدون "السلوار قميص" وهو قميص طويل وواسع، ويضعون على رؤوسهم الطاقية التقليدية الخاصة بإقليمهم. وبسبب هذا أنا أعتقد أنهم تلاميذ في مدرسة إسلامية من تلك المدارس المنتشرة في باكستان [يوجد تقريبا مئة ألف مدرسة من هذا النوع بطول باكستان وعرضها].
 
جودة الفيلم توحي بوضوح أن الكاميرا المستخدمة هي من النوع المتقدم وهذا يتنافى مع إمكانات أهالي المنطقة الفقراء، فمن النادر رؤية أجهزة تكنولوجية متقدمة بخلاف الهواتف المحمولة في هذه المناطق. وفي رأيي أن وجود هذا الفيديو اليوم على الإنترنت لا يدع لنا مجالا للشك في أن هناك أهدافا محددة وراءه.
 
"من المحتمل أن يكون هذا الفيديو موجها إلى الغربيين ليعلمهم بأن هناك جيلا كاملا من الإسلاميين يتم تدريبه ليصبح الانتحاري الكامل"
 
من الصعب القول من قام بتصوير هذا الفيديو. لقد فكرت في الاحتمالات الممكنة، قد يتعلق الأمر بطالبان. لكن الرسالة التي يوجهها للغرب وبالأخص للولايات المتحدة هي التالية: أترون تأثير الحرب على الأطفال الصغار، توقفوا عن شن الحرب على طالبان.
 
قد يتعلق الأمر أيضا بالمواطنين الباكستانيين المعارضين لسياسات الحكومة الموالية لواشنطن [الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2011 قادت تحالفا مع باكستان لمكافحة الحركات الإسلامية المسلحة هناك وفي أفغانستان أيضا] والرسالة التي يحملها الفيديو في هذه الحالة لا تختلف عن سابقتها وهي كالتالي: انظروا إلى ألعاب أطفالنا فمعاناتهم من ويلات الحرب اليومية دفعتهم إلى اعتبار الانتحاريين أبطالا.
 
هناك احتمالية ثالثة: فأنا أعتقد أنه ربما يقف وراءه بعض الضباط أو جهة استخبارية باكستانية. في هذه الفرضية أيضا المخاطب هم الأمريكيون ولكن الهدف مخالف لسابقيه فالرسالة هنا تحثهم على البقاء في البلاد لأن هناك جيلا بأكمله يتم إعداده ليصبح الانتحاري الكامل."

"إنها ثقافة الكراهية والعنف التي يتم تدريسها في باكستان، ولكن هؤلاء الأطفال لا يبدون أنهم يحملون هذه الألعاب على محمل الجد وهو ما يدعو إلى الاطمئنان"

سنا – تعيش في كراتشي.
 
عندما أنهيت مشاهدة هذا الفيديو كنت متأكدة من شيء واحد: تم تصوير هذا المشهد من قبل شخص راشد وأعيد تكراره مرارا من زوايا مختلفة. فسلوك الأطفال في الفيلم لا يبدو طبيعيا على الإطلاق، ومن الواضح أنهم يقومون بتمثيل سيناريو علمه لهم شخص بالغ.
 
في جميع أنحاء العالم يلعب الأطفال لعبة الشرطي واللص، لكنهم عندما يبدأون في تقليد الانتحاريين والضحايا الذين يقعون نتيجة عمليته فإن هذا يعني أنهم يمثلون ولا يلعبون لعبة اخترعوها بأنفسهم. الكراهية والعنف هما سلوكان يدرسان حقا في باكستان. ما يطمئنني هنا أن هؤلاء الأطفال لا يحملون ما يفعلونه على محمل الجد ولو كانوا يتدربون بالفعل على فعل هذا لما وجدوه مثيرا للضحك أبدا.
 
ما يشعرني بالحزن حقا هو أن شخصا بالغا استطاع استغلال هؤلاء الأطفال لتصوير هذا الفيديو، ولكن شيئا كهذا لا يشعرني بالدهشة. الكثير من الأفلام الوثائقية عن الإرهاب في باكستان منتشرة للغاية ولهذا لا يستطيع الناس النزول إلى الشوارع للتعبير عن خوفهم أو آمالهم في العيش بطبيعية. فالإحباط يجبر البعض على إيجاد طرق أخرى للتعبير وهذا الفيديو هو نتيجة لذلك الإحباط. استغلال الأطفال قد يكون شيئا صادما ولكنه يعكس حقيقة بعينها في باكستان ألا وهي: أن الحقد والعنف يبدأن منذ سن مبكرة للغاية هنا."
 
تم تحرير هذا المقال بالتعاون مع بيغي بروغيار، صحافية في فرانس 24.
Close