المراقبون

كان الأطباء المقيمون في مستشفى مصطفى باشا الجامعي بالجزائر العاصمة محتجين على تجميد أجورهم يوم الثلاثاء 13 شباط/فبراير عندما أتى العشرات من رجال الشرطة ليقتحموا المكاتب الإدارية للمستشفى ويجبروا المحتجين على الخروج بالقوة.


 شرع الأطباء المقيمون الجزائريون –أي المتابعون لدراسة تخصصاتهم الطبية- في إضراب منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2017. لكن منذ 24 كانون الثاني/يناير، أعلنت محكمة الجزائر العاصمة أن الإضراب غير قانوني وأمرت "بإخلاء الأماكن التي احتلها المضربون". ويأتي هذا القرار في الوقت الذي كان فيه أعضاء المجموعة المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين يتفاوضون مع مندوبي عدة وزارات، بما في ذلك وزارة الصحة، لإيجاد حل للأزمة.

وبعد قرار المحكمة، جُمّدت أجور هؤلاء الأطباء ولم يتقاضوا شيئا. فتجمع العشرات منهم يوم الثلاثاء في المبنى الإداري لمستشفى مصطفى باشا، وهو أكبر مستشفى جامعي في الجزائر، للاحتجاج على هذا القرار ومطالبة المدير بمقابلتهم، لكنه طلب الشرطة كي تطردهم.

"كل ما نطلبه هو معاملتنا على قدم المساواة مع المواطنين الجزائريين الآخرين"

ياسين (اسم مستعار)، 32 سنة، طبيب مقيم في مستشفى جامعي بالضاحية الشرقية للجزائر العاصمة، وهو يشارك في الإضراب.

منذ بضعة أيام يبدو أن الشرطة بدأت في ملاحقة أصحاب الوزرات البيضاء. فقد اعتقلت العديد من الزملاء أثناء عمليات تفتيش الهوية [هيئة التحرير: يمكن معرفة الأطباء من الشارة الملصقة على سياراتهم وأحيانا تعمد الشرطة إلى تفتيش أمتعتهم]. ولقد قضوا عدة ساعات، ومنهم من قضى ليلة كاملة، في مركز الشرطة دون إخبارهم بسبب احتجازهم.


"خرجنا للتو، عند الساعة الرابعة مساء، من مركز الشرطة. أنا مقيم في الصيدلة وزميلي مقيم كذلك، قضينا سبع ساعات موقوفين في مركز الشرطة دون أي تفسير لأسباب توقيفنا"، صورة من مجموعة على موقع فيس بوك خاصة بالأطباء المقيمين في الجزائر.

السلطات غضت الطرف عن الإضراب في البداية، ثم اعتبرت أن مدته طالت أكثر من اللازم ووصفته بأنه غير قانوني. لكن في الواقع، نحن لسنا في إضراب كامل، إذ نقوم بمناوباتنا ونتدخل في حالات الطوارئ. أنا شخصيا أعالج الكسور يوميا وأقوم بالعمليات الجراحية في الحالات العاجلة. حتى أننا نقوم بمتابعة المرضى في الحالات التي تستدعي مراقبة طبية. ما علقنا القيام به منذ ثلاثة أشهر هو الاستشارات الطبية والتدخلات غير العاجلة.

ولتبرير الاستقطاعات من أجورنا، تستند مذكرة وزارة الصحة إلى قوانين متعلقة بنظام الوظائف العمومية والتي تنص على حجز الأجور في حالة الإضراب غير القانوني. لكن بصفتنا أطباء مقيمون فنحن لسنا موظفين عموميين، بل أطباء في مرحلة تأهيل في سلك الدراسات العليا. أي، أننا لسنا موظفين، بل طلاب تحت التمرين. ومن ثم فإن الأجر الذي نتقاضاه ليس مقابل عمل تترتب عنه حقوق وواجبات فيما يخص الموظفين العموميين كما ينص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. إضافة إلى ذلك وحسب وضع الطبيب المقيم، فإن حجز الأجور يكون قانونيا في حالة الغياب غير المبرر، وهذا لم يحدث فنحن موجودون في المستشفيات.


مقرر صدر عن وزارة الصحة الجزائرية ينص على خصم 15 يوما من الأجر الشهري استنادا إلى قانون الوظيفة العمومية. الصورة من إرسال مراقبنا.

الكيل بمكيالين

موقف الوزارة غير منصف، خصوصا أنه باسم هذا القانون تحديدا منع الأطباء المقيمون عام 2011 من إنشاء نقابة [هيئة التحرير: في حين يسمح لبقية العاملين إجراء ذلك].

من ناحية أخرى، تقع على الأطباء الجزائريين عقوبة مزدوجة: إذ عليهم أن يقوموا بالخدمة العسكرية والخدمة المدنية معا. عندما تريد الوزارة أن تفرض علينا استقطاع الأجور فهي تصنفنا في الوظيفة العمومية، لكن عندما يتعلق الأمر بالخدمة العسكرية فهي تستثنينا، إذ تعفي الموظفين عند بلوغهم سن الثلاثين عاما، باستثناء العاملين في المجال الطبي وشبه الطبي و"المواطنين المحتجين". ومن الواضح هنا الكيل بمكيالين، ولذلك فكل ما نطلبه هو معاملتنا على قدم المساواة مع المواطنين الجزائريين الآخرين.


مقرر صادر عن الوزارة يعلن عن تسوية وضعية المواطنين الجزائريين "ما عدا المواطنين العصاة وأولئك المجازين في السلك الطبي وشبه الطبي".

"أصبح الطبيب كبش فداء"

أما بالنسبة للخدمة المدنية المتمثلة في العمل لمدة عام في منطقة في داخل البلد، فنحن نحتج على الجانب الإجباري فيها. بدلا من أن تجبرنا الحكومة على القيام بذلك، يجب عليها أن تشجعنا. ولكن من سيقبل بالذهاب للعمل في مستشفيات تفتقر لكل شيء وبلا أي بنيات تحتية تقنية [هيئة التحرير: التجهيزات والمعدات المتاحة في أي مرفق طبي] وبدون زميل في العناية المشددة للمساعدة في العمليات الجراحية؟ في هذا الوضع، يصبح الطبيب كبش فداء وعليه أن يواجه الاستياء "المشروع" لأهالي المناطق التي سيعمل فيها أو يواجه من يلوموننا على أننا نريد البقاء في المدن الكبرى وأننا بهذا التصرف نحرم المناطق الداخلية في البلد من خدماتنا.

هذا الإضراب لا يقتصر على العاصمة، فقد انضم إلى الحراك أطباء مقيمون في العديد من المدن بجميع أنحاء البلد.

تقرؤون على موقع مراقبون >> شرطية جزائرية تبصق في وجه طلاب متظاهرين

إضافة إلى ذلك، فالجزائر ليست البلد المغاربي الوحيد الذي يعرب فيه العاملون في مجال الصحة العامة عن غضبهم. ففي تونس، بدأ الأطباء في 8 شباط/فبراير "شهر غضب" للمطالبة بإصلاحات.

ترجمة: عائشة علون