عمال مناجم جرادة غير المرخصين يتظاهرون بلا توقف منذ موت اثنين منهم إثر انهيار صخري بالمنجم في 22 كانون الأول/ديسمبر. ومنذ إغلاق منجم كبير هناك قبل عشرين سنة، لم يطرأ أي تحول اقتصادي على هذا الحوض المنجمي، غير أن النشاط غير المرخص استمر فيما ارتفعت معدلات البطالة. مراقبنا صور ظروف العمل تحت الأرض ويروي لنا المعاناة اليومية في إحدى أفقر المدن المغربية.

قصة مدينة جرادة والمناجم تعود إلى ما يقارب مئة عام. في عام 1920 حدثت تنمية في هذه المدينة -ذات الـ43000 نسمة والواقعة شرق المغرب- بفضل استغلال الفحم. وكانت الشركة الفرنسية Charbonnages du Maroc التي تم تأميمها في السبعينات، ثاني أكبر رب عمل في البلد بنحو 9000 منصب عمل استحدث بين 1927 و1998 (الرابط). وفي 1998، لم تعد هذه الشركة مربحة وبدأت تصفية أعمالها وأنهتها عام 2001.

من الصعب على عمال المنجم أن يعملوا في مهن أخرى وكثير منهم استمروا في العمل بالمنجم سرا إذ تجمعوا فيما بينهم وصاروا يحفرون آبار فحم.


مظاهرة لسكان مدينة جرادة في 2 فبراير / شباط 2018. صورة من موقع الفيسبوك.

لكن منذ موت اثنين من زملائهم بعد أن علقوا تحت الأرض إثر انهيار صخري في 22 كانون الأول/ديسمبر 2014، بدأ السكان يتجمعون بانتظام ليلفتوا انتباه الدولة إلى ظروف عملهم في المنجم وإلى الحالة الاقتصادية لمدينتهم. ثم مات عامل آخر في 1 شباط/فبراير فتأججت المظاهرات.

"Depuis la fermeture de l’usine, c’est l’ère de la débrouille"

محمد (اسم مستعار)، 36 سنة، عامل منجم منذ كان عمره 15 سنة.

منذ إغلاق المصنع بدأنا في تدبير أمرنا. نتجمع في مجموعة من اثنين أو ثلاثة وبشكل سري نقرر النزول إلى هذا المكان أو ذلك. ونظرا لأننا لا نملك العدة، نستخدم المطرقة والمعول. ونبدأ في الحفر حتى عمق يتراوح بين خمسة أمتار وسبعين مترا. بصفة عامة، يلزمنا عام ونصف لكي نجد الفحم وننتهي من حفر البئر. وعندما نبدأ في حفر البئر، نحتاج إلى عدة أمتار قبل أن نصل إلى الفحم. ولن نحصل على المال إلا بعد استخراج الفحم. وخلال ثلاثة أشهر، لا نكسب أي شيء. ونحن مجبرون على الذهاب إلى آبار أخرى مفتوحة أصلا. ونحن نتعاون ونتشارك الأرباح. مداخيلنا غير ثابتة. فقد نكسب 100 درهم (10 يورو) في يوم واحد ولا نكسب شيئا في اليوم التالي.


بئر تقع على بعد ثلاث كيلومترات من جرادة. الصورة من إرسال مراقبنا.
 

طيلة عدة سنوات، واصل العمال المنجميون عملهم في مناجم الفحم. وكان زبائنهم أربعة أعيان من المنطقة (الرابط). هؤلاء "أرباب الأعمال" كما يطلق عليهم عمال المناجم، وهم في الواقع موظفون كبار سابقون في شركة "Charbonnages du Maroc" الذين تلقوا من الدولة تراخيص استغلال المناجم. وهذا يتيح لهم توظيف عمال المناجم غير المرخصين وإعادة بيع الفحم. ولكن العديد من العمال المنجميين يتهمون هؤلاء الموظفين السابقين بأنهم يدفعونهم إلى استخراج الفحم بأسعار متدنية.

حالما تصبح البئر عميقة بما يكفي ويمكن استغلالها، يأتي أولئك الموظفون السابقون. وهم يوظفون رجالا - مثل المخبرين - يخطرونهم حال العثور على الفحم. وعندها فقط يظهرون مرة أخرى فيقومون بتقدير كمية الفحم المكدسة ويحددون السعر. في أيام العطلة مثل عيد الأضحى، يعرف هؤلاء التجار أننا في حاجة إلى قدر أكبر من المال. لذلك يقولون لنا إن مخزوناتهم من الفحم كاملة وإنهم لن يحتاجوا إلى خدماتنا بعد الآن. هذه وسيلتهم لخفض الأسعار، فنضطر لخفضها طبعا.


نظام منجم للفحم يقع على بعد ثلاث كيلومترات من جرادة. الفيديو من إرسال مراقبنا.
 

ولكن عدا تحسين ظروف عمل عمال المناجم، يطالب سكان المدينة بتنمية بلدتهم. وقد أرسلوا رسالة تظلم تضم 80 بندا إلى سلطات الإقليم يطالبون فيها بوضع حلول اقتصادية بديلة عن استخراج الفحم بطريقة غير مرخصة.

" جرادة كانت في حالة غليان حتى قبل موت عمال المناجم في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي"

عبدالمجيد أمياي صحافي محلي ينشر على موقع اليوم24 الخطوات الجديدة للحراك.
 
الاحتجاجات موجودة منذ سنوات بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والإغلاق المستمر للشركات (الروابط)، وعدم استثمار الدولة ( الرابط) وغياب فرص العمل. كانت جرادة في حالة غليان حتى قبل وفاة عمال المناجم.

ويطالب المتظاهرون في رسالتهم بثلاثة تدابير رئيسية: التفاوض حول أسعار الكهرباء والحوار حول إمدادات المياه والإشراف على أرباب العمل الذين يديرون تجارة الفحم. وردا على هذه المطالب، أرسلت وزارة الداخلية خطة لاتخاذ تدابير فورية، تقترح فيها تقديم تسهيلات لدفع فواتير المياه والكهرباء وإرسال بعض أهل المدينة إلى مدن أخرى للعمل في مهن موسمية.

لافتات احتجاجية كتب عليها "للبيع".
 

وقد أعلن رئيس الوزراء سعد الدين العثماني في 10 شباط/فبراير أن تراخيص العمل ستوقف. ولن يحصل أولئك الأشخاص على تراخيص لاستغلال المناجم بطريقة غير قانونية. وبغية الاستعاضة عن الاستغلال غير المرخص، تعتزم السلطات فتح مناجم جديدة للرصاص والزنك. ويتعين تخصيص خمسة ملايين درهم لعلاج الأمراض الناجمة عن الاستغلال المنجمي. وهناك مجموعة أخرى من التدابير الأخرى تتعلق بتنمية الاستغلال الزراعي.

فريق تحرير "مراقبون" لفرانس24 اتصل بعامل إقليم وجدة (الإقليم الشرقي) السيد معاذ الجامعي والمكلف بهذا الملف فلم يرد على استفساراتنا.


 

"تخلت الدولة تماما عن الاهتمام بشؤون المدينة"

يرى المتظاهرون أن هذه الاقتراحات غير كافية. جمال (اسم مستعار) عمل منجميا لمدة 30 سنة:

مسيرة النعوش بتاريخ 2 فبراير / شباط. الصورة من إرسال مراقبنا.
 
بدلا من حل المشكلة هنا، هم يريدون دفع أهل المدينة إلى الهجرة وأن تصبح جرادة مدينة أشباح. وهي تكاد تكون كذلك أصلا! فعندما أغلقت المناجم، انخفض عدد السكان من 60000 إلى 45000 نسمة. لذلك فهذه الاقتراحات لا تثير الاستغراب. فقد تخلت الدولة تماما عن الاهتمام بشؤون المدينة. وفي الخميس 1 شباط /فبراير، عندما سقط الشهيد الأخير في منجم قرب المدينة، قد أتى لنجدته مجموعة من المنجميين. ولم ترد فرق الأمن الوطني بالتدخل. كل أسبوع نتجمع في الساحات والمقاهي. نحن في حاجة إلى أكثر من حفنة تدابير كي يتوقف حراكنا.