المراقبون

تشهد نحو أربعين مدينة في إيران مظاهرات منذ يوم الخميس 28 كانون الأول/ديسمبر، لقي خلالها 21 شخصا حتفهم. وقامت السلطات الإيرانية بمنع تطبيقي إنستغرام وتلغرام، على غرار الفيسبوك وتويتر اللذين كانا دائما ممنوعين، ما يجعل من الصعب الحصول على شهادات المتظاهرين. لكن فريق "مراقبون" تمكن من التواصل مع أحدهم الذي شرح لنا أن أسباب التعبئة لا يجب أن تقارن مع "الثورة الخضراء" لسنة 2009.

انطلق الحراك منذ ستة أيام في مدينة مشهد، وهي ثاني مدينة إيرانية تقع في الشمال الشرقي للبلاد، قبل أن يتسع نحو غرب البلاد ووسطها، ولا سيما العاصمة طهران. خلال ليلة الأول إلى الثاني من كانون الثاني/يناير، قتل ما لا يقل عن ستة أشخاص كانوا يحاولون الاستيلاء على الأسلحة في مركز شرطة. كما قتل شرطي وجندي.


أمام مسرح طهران، مئات رجال الشرطة متأهبون للتدخل، يوم الثلاثاء 2 كانون الثاني/يناير. الصورة نشرت على تطبيق تلغرام.


رجال الأمن أمام جامعة طهران، في 2 كانون الثاني/يناير. الصورة نشرت على تطبيق تلغرام.

بالنسبة للمتظاهرين، فقد طفح الكيل من الصعوبات الاقتصادية التي تعرفها إيران. إذ انطلقت موجة الغضب إثر إعلان عن ارتفاع في سعر البيض والبنزين في 2018، قبل أن تتراجع الحكومة في 30 كانون الأول/ديسمبر. لكن سخط المتظاهرين يتوجه أيضا نحو مؤسسات القروض غير القانونية التي أفلست بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس حسن روحاني لتطهير الاقتصاد.

كما ينتفض المتظاهرون لأن حوالي 40% من الاقتصاد الإيراني هو بين يدي حراس الثورة أو المنظمات الدينية. وحسب مراقبنا حسام، الذي يبلغ من العمر 30 سنة والذي شارك في المظاهرات منذ 30 كانون الأول/ديسمبر في إحدى المدن الشرقية للبلاد، فإن المشاركين وجهوا كذلك شتائم إلى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي. ومثل غيره، فإن حسام يستعمل شبكة خاصة افتراضية (VPN) للدخول على تطبيق تلغرام والإجابة عن أسئلتنا، رغم ضعف سرعة الإنترنت.

"يبدو لي أحيانا أن بلدي يمنعني من كل شيء، وهذا أمر مهين"

وجدت على تلغرام جميع المعلومات حول توقيت ومكان المظاهرات. في أول الأمر، ذهبت هناك من باب الفضول. لكن لي أيضا أسباب شرعية للمشاركة: أنا مهندس ولكني لم أجد أبدا عملا في مجالي. لذا، فإني مجبر على العمل في مجالات أخرى وخوض تجارب عديدة، حتى أني لم أقدر على العيش بطريقة مستقلة عن والدي إلا منذ سنتين. وهذا سبب غضبي.

 

البعض يتظاهر أولا ضد الفساد والصعوبات الاقتصادية، وهم أشخاص سئموا الفقر. في الشوارع، نرى أشخاصا من بيئات مختلفة: منهم من خسر ماله بسبب إفلاس بنك ما، ومنهم العاملون والطلبة. معدل عمر المتظاهرين في مدينتي هو 35 سنة تقريبا. إنها في الآن نفسه مظاهرات أشخاص جاعوا وشباب مذل.

"لست مستعدا للموت"

علاوة على المناداة بإصلاحات اقتصادية، يطالب البعض كذلك بالتخلص من الملالي في أعلى هرم السلطة. شعارات كثيرة رفعت ضد علي خامنئي، خاصة من قبل الشباب الذي سئم الممنوعات باسم الدين: استهلاك الخمور ممنوع، الحفلات ممنوعة، التجول مع عشيقك أو عشيقتك ممنوع، الخ. يبدو لي أحيانا أن بلدي يمنعني من كل شيء، وهذا أمر مهين.

في قم، أكثر المدن تدينا في إيران، يغني المتظاهرون "سئمنا الجمهورية الإسلامية"، في 29 كانون الأول/ديسمبر. صورة نشرت على تلغرام.

هاجمتنا الشرطة بعنف وعلينا الدفاع عن أنفسنا، لكنني لست مستعدا للمخاطرة بحياتي من أجل القضية. ولا أدري ما سيؤول إليه هذا الحراك.

في جميع الأحوال، لا يجب مقارنته بالثورة الخضراء التي شهدناها في حزيران/يونيو 2009. آنذاك، تظاهر آلاف الإيرانيين مطالبين بإعادة عد الأصوات للانتخابات الرئاسية، لأنهم كانوا مقتنعين أن المصلح مير حسين موسوي تفوق على المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد الذي أعلن عن فوزه. وقد تم قمع الحراك بطريقة دامية وباشر محمود أحمدي نجاد عهدته الثانية.

ويضيف حسام :

هؤلاء المتظاهرون ليسوا أولئك الذين شاركوا في الثورة الخضراء. لم يشارك أحد ممن حولي في حراك 2009. ليس لمتظاهري اليوم انتماء سياسي واضح. نحن لا نساند لا المتشددين ولا المصلحين. في 2009، كان المشاركون ينتمون إلى الطبقة الوسطى ويعيشون في المدن الكبرى، أغلبهم طلبة ونساء ونشطاء في مجال حقوق الإنسان. أما اليوم، فأغلبهم من المناطق الريفية أو من المدن الصغرى، وهم ذوو مستوى اقتصادي متواضع حتى وإن تمتعوا بمستوى تعليمي جيد.

"تظاهرت في 2009 ولا أشعر بالحاجة للعودة إلى الشارع"

سيمين تبلغ من العمر 35 سنة وشاركت في الثورة الخضراء في 2009 في طهران. اعتقلت آنذاك وقضت عامين في السجن. تقول إنها لا تشعر بالانتماء إلى الحراك الحالي رغم أنها تفهم أسبابه.

خلال مظاهرات 2009، كان هناك رواد معروفون ويحظون باحترام الجميع وكان المطلب واضحا: إعادة عد بطاقات الاقتراع للانتخابات الرئاسية. أما هذه المظاهرات، فهي مبادرة من المحافظين ضد حكومة روحاني الإصلاحية لكنها أفلتت من أيديهم.

تظاهرت في 2009 لأن النظام سرق مني صوتي ولم يكن بإمكاني تقرير مستقبلي من خلال صناديق الاقتراع. لكن بعد انتخاب روحاني في 2013 وإعادة انتخابه في 2017، أصبحت أشعر بأنه بإمكاني الإدلاء برأيي ولم أعد أشعر بالحاجة للعودة إلى الشارع.

أفهم أن الناس سئموا الوضع الاقتصادي أو انعدام الحريات الفردية وأنهم يحتاجون للتظاهر. لكنني لا أشرع للعنف، إن كان من قبل المتظاهرين أو من قبل الشرطة.

متظاهرون يهاجمون مركزا للشرطة في الأول من كانون الثاني/يناير في أصفهان. صورة نشرت على تلغرام.

حسب البنك العالمي، فإن إيران تسجل نسبة بطالة مرتفعة عند الشباب (29.2%) ومعدل فقر عام بنسبة 13.1%.