لقطة من فيديو لمحطة Europe1 الفرنسية يظهر فيه رجل يسلم نفسه أثناء عملية احتجاز الرهائن.

"كل شي واضح لمن يريد أن يراه" هذا ما يقوله أصحاب نظرية المؤامرة منذ أن حدثت الاعتداءات على صحيفة "شارلي إيبدو" وعمليتي بلدة دامارتان-أون-غويل والمتجر اليهودي في حي بورت-دو-فانسان. وعلى الإنترنت زاد عدد تحليلات الصور التي تدعي أن الحقيقة خفية عنا، وربما أن الاعتداء مجرد "فبركة".
 
بعد بضع ساعات من نشر أولى صور الاعتداء على "شارلي إيبدو" على شاشات القنوات الإخبارية، ظهر أول أصحاب نظريات المؤامرة وتناولوا هذه الصور لكي "يحللوها"، مثل هذه الصورة المركبة التي تم تداولها على الإنترنت وأرسلت إلى هيئة التحرير في فرانس24.

صورة أرسلت إلى هيئة التحرير تجمع عدة دلائل مفترضة تدل على أنها تضليلية.

 
"غريب" ارتداء الصدريات الواقية من الرصاص؟ أليس كذلك؟

ويتساءل أصحاب نظرية المؤامرة حول بعض الناجين على سطح مجلة "شارلي إيبدو" وارتدائهم صدريات واقية من الرصاص. ومع ذلك، لا شيء يدعو للعجب في ارتياد بعض الأشخاص السطح. فالبناية تضم هيئة تحرير وكالة الأنباء Premières Lignes التي تعمل أحيانا شأنها شأن معظم هيئات التحرير الأخرى في بؤر التوتر والنزاعات ويحتاج طاقمها لارتداء صدريات واقية من الرصاص. وقد بادر بعض الموظفين لارتدائها بعد أن سمعوا أول طلقات الرصاص.
 
المرايا الجانبية للسيارتين بألوان مختلفة؟

وهناك تفصيل آخر أسال الكثير من الحبر يتعلق بالمرايا الجانبية لسيارة مرتكبي الاعتداء. فعندما كان الأخوين كواشي يهربان من مكان الاعتداء، استطاع العديد من الهواة تصوير سيارتهما التي كانت من نوع سيتروين س3 تشكيلة: Sélection.


ونشاهد في الصورة الأولى أعلاه السيارة متوقفة لحظة قتل الشرطي. وتبدو مراياها الجانبية فاتحة اللون، أما في الصورة الثانية التي أخذت في الدائرة 19 الباريسية حيث تركها الأخوان، تظهر المرايا الجانبية سوداء. فهل يتعلق الأمر بسيارتين وليس واحدة كما قالت وسائل الإعلام؟ العديد من مستخدمي الإنترنت ذهبوا في هذا الاتجاه. ولكن الحقيقة أن هذه المرايا هي مصنوعة من مادة كرومية يتغير لونها حسب انعكاس الضوء عليها. والدليل على ذلك يوجد في هاتين الصورتين للسيارة في نفس المكان التقطت لها صور من زاويتين مختلفتين.
 

الشريك "الغامض" أثناء الهجوم على متجر بورت-دو-فانسان

وفي المساء الذي حدث فيه الاعتداء على المتجر اليهودي في بورت-دو-فانسان أجرت iTélé حديثا مع شاهد على الحادث. وقال إنه رأى شخصا أول يسلم نفسه بعد أول تبادل لإطلاق النار فيما كان احتجاز الرهائن لم ينته بعد. ونشرت محطة Europe 1 الفرنسية بموازاة ذلك مشاهد لهذا الرجل. وكان يظهر ماشيا قرب المتجر اليهودي وذراعاه مرفوعتان، ثم اعتقلته الشرطة. وقد صور المشهد عامل في محطة بنزين يظن أن الرجل كان مسلحا.
 
لقطة من فيديو يظهر فيه الرجل وهو يسلم نفسه أثناء احتجاز الرهائن.

 
ولكن سرعان ما تم إهمال الاستفسار عن هوية هذا الرجل بالنظر إلى تطور الأحداث السريع. لكن أصحاب نظرية المؤامرة أثاروا هذه الواقعة وتساءلوا عن وجود هذا الشريك الغامض في مكان الاعتداء واندهشوا من أن الإعلام لم يتحدث عنه.
 
صورة لاسانا التقطتها محطة بي.إف.إم يوم الاعتداء.
 
لقد اتضح أن هذا "الشريك" المزعوم الذي صوره مدير محطة البنزين ليس سوى لاسانا باثيلي، وهو شاب من أصل مالي يعمل في المتجر اليهودي، وقد تناقلت حكايته وسائل الإعلام بعد انتهاء عملية احتجاز الرهائن. وبالفعل فهذا الشاب تصرف بشجاعة عندما خبأ بعض الرهائن في ثلاجة المتجر عند بداية الاعتداء. ثم عرض عليهم الهروب معه لكنهم رفضوا. فخرج وحده من باب النجاة وكان يرفع يديه ليقول إنه غير مسلح. ويمكن التعرف على ملابسه على الفيديو وعلى الصور التي التقطت له بعد هذا الحادث.
 
لا. كوليبالي لم يكن "مقيدا بالأغلال" عند مقتله.

لقطة من الفيديو أدناه.


وهناك صورة أخرى أثارت لغطا واسعا لدى أصحاب نظرية المؤامرة وهي خروج أميدي كوليبالي من المتجر اليهودي عند بدء المداهمة. فرغم أن هذه الصورة قد نشرت على قناة فرانس3 في ساعة ذروة المشاهدة، فإن متصفحي الإنترنت يصرون على تقديمها على أنها الرواية التي "لم يطلها مقص الرقابة" لعملية مداهمة المتجر المذكور.
 
فيديو فرانس3 الذي أعاد نشره موقع Infolibre TV.

 
بعد ثوان من إعطاء الأمر بمداهمة المتجر اليهودي، شوهد كوليبالي مسلحا ومتوجها نحو باب كان خلفه رجال المداهمة، ويبدو أنه كان يشعر بالدوار من وقع انفجار مدو لقنبلة يدوية، ويبدو أيضا كأنه اصطدم بالباب ووقع. وبعد ثوان قتل الرجل. لكن ما أثار استغراب بعض الناس هو وضعية يدي الإرهابي لحظة وقوعه فقد كان "مقيدا بالأغلال!"، هذا ما يقوله هؤلاء الأشخاص ليثبتوا أن هناك حقيقة تم إخفاؤها عنهم.
 
طبعا لا يمكن إطلاقا أن يكون كوليبالي مقيدا بالأغلال. فقد قتل أربعة أشخاص أثناء احتجاز الرهائن. ومنظر اليدين المقيدتين ليس إلا انطباعا بسبب وضعية لا إرادية أثناء سقوطه. وفيما يلي تجزئة للصور تظهر، رغم رداءتها، أن الرجل يفتح ذراعيه أثناء سقوطه.

تلاعب التواريخ ووقاحة في اختيار الصور

كانت الأيام الماضية فرصة أيضا لمستخدمي الإنترنت ذوي النيات السيئة للتلاعب بصور قديمة. على سبيل المثال، نشر أحدهم صورة مزعومة لساحة الجمهورية بباريس لحظة تجمع يوم الأحد، محاولا الإيهام بأن التمثال الموجود في هذه الساحة كان مغطى بالأعلام الفلسطينية، وهي في الحقيقة صورة التقطت للساحة أثناء مظاهرة مساندة لغزة في تموز/ يوليو 2014.
 

ويرى آخرون منهم أنه لا داعي للوقائع أو تحليلات الصور، وأن تواريخ الاعتداءات تكفي للإفصاح عن اسم المذنب، ويوجهون أصابع الاتهام إلى الشرطة الفرنسية. وهذا بالطبع استنتاج سخيف، لكنه مع ذلك أعيد نشره على تويتر أكثر من 3500 مرة.
 

وإذا كان بعض مستخدمي الإنترنت يعيدون نشر هذه المواد عن سذاجة، فإن بعضهم الآخر يستخدمها منذ سنوات ليستشهد بها على أنها دلائل على المؤامرات. وتكون حججهم هذه دائما لخدمة نفس الأطروحات التي يمكن تلخيصها فيما يلي: خلف هذه الاعتداءات الإرهابية نجد الولايات المتحدة وإسرائيل المتحالفتان في مؤامرة صهيونية ماسونية هدفها الوحيد هو بث الفرقة في الشعوب وتشويه صورة الإسلام.

لقد قتل 17 شخصا في الأسبوع الماضي في هذه الاعتداءات غير المسبوقة على الأراضي الفرنسية، وتبنى تنظيم القاعدة في اليمن هذا الاعتداء الذي نفذه الأخوين كواشي على "شارلي إيبدو". ومن الواضح أن الاعتداء الذي قام به أميدي كوليبالي على المتجر اليهودي والذي كان أكثر ارتجالية قد نفذ باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" كما أوضح هذا الإرهابي. أما حياة بومدين المشتبه بأنها شريكة في هذا العمل الإرهابي في هذه الاعتداءات فهي حاليا هاربة.

حررت هذه المقالة بالتعاون مع Ségolène Malterre (@segoF24)، صحافية في فرانس24.

ترجمة: عائشة علون