شعار الجيش السوري الحر.
 
جيشان يتواجهان في سوريا: القوات النظامية الموالية للرئيس بشار الأسد من جهة، والجيش السوري الحر من جهة أخرى، وهو قوة تشكلت في البداية أساسا من منشقين مؤيدين للثورة. وفي الوقت الذي يضاعف الجيش السوري الحر هجماته وينجح في إصابة قلب النظام، تطرح علامات استفهام حول تنظيمه وتمويله وأساليبه.
 
جمعت هذه المعلومات بمساعدة عدد من المراقبين في سوريا المقربين من الجيش السوري الحر.
 
قوة دفاع في الأساس أصبحت اليوم قادرة على مهاجمة دمشق
 
تشكلت أول نواة للجيش السوري الحر في 29 تموز/يوليو 2011 من مجموعة صغيرة من الجنود المنشقين. لكن ما لبث القمع العنيف أن أكسب هذه المجموعة وزنا أكبر وبدأت تجند المدنيين. وبفضل الخدمة الإلزامية في الجيش في سوريا يتمتع كل مواطن بأبسط مهارات استخدام الأسلحة النارية.
 
ولقد كانت مهمة الجيش الحر في بداية النزاع دفاعية فقط. حيث يتعين على جنوده حماية المتظاهرين. ولم يكن عندهم في الغالب إلا مسدسات بسيطة أو كلاشنكوف. وهذا كاف لتعطيل تقدم الجيش النظامي قدر الإمكان، وليس في أي حال من الأحوال لاسترجاع مدينة ولا حتى حي من الأحياء. وما زال الجيش الحر أحيانا يكفل حماية المتظاهرين لكنه أصبح اليوم قوة هجوم. ومعظم المقاتلين فيه اليوم منضوون في كتائب قد يبلغ تعدادها إحداها ستين عنصرا تقريبا، بعضهم منضوون تحت "ألوية" مثل لواء التوحيد الذي يكاد يضم مجموع كتائب حلب ونواحيها. ويصعب أن نحدد بدقة عدد الجنود المنضوين تحت راية الجيش السوري الحر وذلك لسبب، أحدهما رفض ضباطه الخوض في هذا الموضوع لدواع استراتيجية، والآخر لعدم وجود قائمة بالجنود المنضوين إلى الآن. لكن تقديرات مراقبينا في محافظة حمص مثلا التي تعتبر قاعدة رئيسية للجيش الحر تشير إلى أن عدد المحاربين قد تجاوز العشرين ألف مقاتل.
 
جيش ينظم أموره شيئا فشيئا
 
لتنسيق عمليات مليشياته في جميع أنحاء البلد، يستعين الجيش الحر بالمجالس العسكرية المحلية. وتتألف هذه المجالس من قادة مختلف الكتائب في المنطقة ومن مدنيين أيضا لهم خبرة عسكرية مثل الضباط المتقاعدين. وإذا كانت القرارات تتخذ جماعيا، فإن آراء هؤلاء القادة الذين اكتسبوا تقديرا وشعبية مع تواتر المعارك قد أصبح لها وزنا أكبر من غيرها. ويسمح لأعضاء المراكز الإعلامية المكلفة بأمور منها تحرير البلاغات الداخلية للجيش الحر بالمشاركة في الاجتماعات، لكن ليس الطارئة منها. كما أنه لا يحق لهم التصوير.
 
يوضح رامي، مراقبنا في حمص: "عموما، العمليات الدفاعية تكون تلقائية ولا تحتاج إلى أي تشاور. لكن عندما يتعلق الأمر بالعمليات الواسعة النطاق يجتمع المجلس العسكري لتحديد المهمة وتكليف كتيبة بها". واختيار الكتيبة المنفذة لا يكون أبدا صدفة. ويقول العميد غالب القطيني من الجيش الحر في خان شيخون بمحافظة إدلب: "في ظل المخاطر نحاول تفادي تحرك المجموعات. لذلك فإن الكتيبة الأقرب من مكان العملية هي التي تكلف بالتنفيذ. وعندما يكون عتاد هذه الكتيبة أو عددها غير كاف قد تلحقها كتائب أخرى بالمدد أو قد تحل محلها كتيبة أخرى أقوى". ويوضح العميد أن المجالس العسكرية ليست في جميع المناطق: "في بعض المناطق مثل ريف دمشق [دمشق العاصمة لديها مجلس عسكري] من الصعب على الكتائب التواصل بين بعضها أو عقد اجتماعات. ليس هناك مجلس عسكري ولا يمكن لهذه الكتائب تنظيم العمليات الواسعة النطاق وهي تكتفي عامة بالدفاع عن مواقعها.
 
غياب الانسجام في الإيديولوجيا والتمويل
 
لقد طرحت مسألة مصادر تسليح الجيش الحر مرارا وانقسمت حولها الآراء في المعارضة السورية. أسلحة الجيش الحر تأتيه من مصادر مختلفة. فبعض الأسلحة الخفيفة هرب بها المنشقون وبعضها الآخر جاء غنيمة غارات على الجيش النظامي. ويمرر العتاد العسكري عبر تركيا ولبنان، لكن مراقبة الحدود تعرقل أي إدخال لكميات كبيرة. ومعظم الأسلحة تشترى مباشرة من الجنود أو من "الشبيحة". يقول رامي: "سبق لي أن اشتريت أسلحة من "الشبيحة" وهم يعرفون جيدا أن أسلحتهم ستقع في يد أعدائهم لكنهم لا يبالون ما دمنا ندفع المال."
 
وإذا كانت القيادة العسكرية موحدة نسبيا، فإن التمويل يختلف من كتيبة إلى أخرى وغالبا ما تدخل هنا علاقات كل مجموعة وربما العلاقات الشخصية أيضا. يوضح رامي قائلا "بعض قادة الكتائب يتلقون الأموال عبر أفراد العائلة الذين يعملون في الأردن أو في الخليج". ويضيف: "تجار أثرياء في دمشق وحلب يؤيدون الجيش الحر وأيضا التنظيمات السياسية مثل الإخوان المسلمين. أما مشاركة بعض الدول فهي غير مباشرة حسب رأيه "الجيش الحر لا يرفض أي تمويل لكن المملكة العربية السعودية وقطر تفضلان إرسال المال عن طريق بعض رعاياها."
 
تنوع مصادر التمويل يؤثر أيضا على الصعيد الإيديولوجي. يقول رامي "مصادر التمويل هي نقطة ضعفنا الأساسية لأن بإمكانها التأثير في التوجه الإيديولوجي لكتيبة من الكتائب". ويحاول الجيش الحر أن يروج لصورة جيش تعكس جميع مكونات المجتمع السوري عبر النشر في وسائل الإعلام عن مقتل أحد الجنود المسيحيين، حسام ميخائيل، لكن من الواضح أن معظم القوات من الطائفة السنية. ومصدر التمويل له بالضرورة تأثير إيديولوجي. ويقر رامي قائلا "إذا كانت إحدى الكتائب تتلقى الأموال من الإخوان المسلمين فهذا يعني طبعا أنها كتيبة ذات طابع إسلامي".
 
تجاوزات الجيش السوري الحر
 
يتهم الجيش السوري الحر بانتظام بأنه يعتمد على الميليشيات الإسلامية الجهادية، إلا أن هذه ليست المؤاخذة الوحيدة عليه. ورغم أن الجيش الحر يسعى إلى التحكم في صورته ورغم وجود ميثاق نشره ضباطه ويحث المحاربين على احترام المواثيق الدولية وحسن معاملة الأسرى، أظهرت العديد من فيديوهات الهواة تجاوزات هذا الجيش. فقد وثّقت أعمال تعذيب بحق الجنود الأسرى وعمليات إعدام بلا محاكمة. فمثلا فيديو إعدام آل بري، شبيحة حلب، بالسلاح الآلي قد جرى تداوله كثيرا في الأسابيع الأخيرة. وتصف القيادة المركزية للجيش الحر عمليات الإعدام تلك بأنها عمليات معزولة. لكن أحيانا يعترف بها المتحدثون باسم المجالس العسكرية ويوضحون أنه لا خيار أمامهم غير الإعدام في غياب السجون.
 
النقيب عبد الرزاق طلاس يقرأ بيانا حول طريقة معاملة الأسرى.
 
ويتعرض الجيش الحر للانتقاد أيضا من بعض المعارضين لأنه ضم إلى صفوفه الرتب العسكرية السابقة في الجيش النظامي الملطخة أيديهم بالدم. وهو ما يظهر من خلال رسالة هذا المتظاهر الذي رفع شعارا يؤكد على انضمام مدينته السلمية إلى حركة الاحتجاج
 
 
صورة نشرت على موقع تويتر.
 
يحاول قادة الجيش السوري الحر الظهور بمظهر القوة المنظمة المنسجمة وغير الطائفية. وتبيّن شهادات مراقبينا أن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع على الأرض. وفيما يبدو الجيش السوري متخبطا، سيكون على هذا الجيش الثوري إظهار المزيد من الشفافية في طريقة عمله لتهدئة مخاوف المجتمع الدولي فيما يخص سوريا ما بعد الأسد.
تم تحرير هذا المقال بالتعاون مع سارة قريرة، صحافية في فرانس 24.